بقلم فاطمة المتحمي: القيادة بالجرأة والمغامرة
تعيش المملكة العربية السعودية مرحلة تحول تاريخية غير مسبوقة، لم يعد فيها النجاح المؤسسي يقاس بتنفيذ المهام اليومية فحسب، بل بقدرة القيادات والمؤسسات على إعادة تعريف أدوارها وصناعة أثر يتجاوز الأطر التقليديّة. وفي ظل هذا التغير المتسارع، يصبح التمسك بالمألوف، والحرص المفرط على تجنّب المخاطرة حتى وإن غُّلف بحسن النيّة عائقا حقيقيا أمام التقدم.
فالتحدي في هذه المرحلة لا يكمن في تنفيذ الخطط أو الالتزام باللوائح بقدر ما يكمن في العقلية التي تتعامل معها؛ إذ لا تُصنع الثقافة المؤسسية بالأنظمة وحدها، بل حين تتجاوز الجهات حدود الدور التقليدي، وتتعامل مع مسؤولياتها بوصفها مساحة للتفكير والابتكار، لا مجرد إطار للتنفيذ.
في المشهد العام لدينا، لا يزال من الممكن ملاحظة نمط إداري يكتفي بأداء الدور كما هو، دون محاولة جادة لتوسيع أثره أو إعادة تعريفه. تُنجز الأعمال بكفاءة، وتُحترم الأنظمة، لكن عند طرح أفكار جديدة حتى تلك المنسجمة بوضوح مع مستهدفات رؤية السعوديّة 2030 يظهر التحفظ سريعًا، لا بسبب ضعف الفكرة، بل خوف من الفشل أو من تبعات تجربة غير مضمونة. هذا النوع من الحذر، وإن بدأ في ظاهره حرص، يتحول عمليًا إلى عائق أمام التطوير. فالتقدم لا تصنعه ثقافة الالتزام وحدها، بل القدرة على المغامرة المحسوبة، والاستعداد لاختبار مسارات جديدة قد لا تكون نتائجها مضمونة بالكامل، لكنّها وحدها القادرة على صناعة الفارق. فالتحول الحقيقي لا تصنعه الخطط وحدها، بل تصنعه العقول التي تملك الشجاعة للخروج من القوالب التقليدية، وإعادة النظر في الأدوار، وطرح أسئلة المستقبل بدل الاكتفاء بإدارة الحاضر. فالجمود، مهما كان منضبطًا، لا يبني تنمية، ولا يصنع أثرا.
وقد أثبتت تجربة المملكة في السنوات الأخيرة أن القفزات الكبرى لم تكن وليدة الأمان الكامل، بل نتاج قرارات جريئة، ورؤى آمنت بأن التغيير ضرورة لا مخاطرة. وما لم تنتقل هذه الروح إلى عمق الممارسة الإدارية والتنموية، ستظل كثير من الإمكانات معطلة خلف أسوار الخوف من الخطأ.
فالتطوير لا يحدث في بيئات تبحث عن الأمان الكامل، بل في مساحات تسمح بالتجريب، وتعتبر الخطأ جزءا من المعرفة، والطريق الأصدق نحو صناعة أثر مستدام وتحول حقيقي. وإن الجهات أو المسؤولين الذين يخشون التجربة يحرمون أنفسهم من فرصة النمو، بينما تلك التي تعتبر الفشل مرحلة من التعلم هي وحدها القادرة على مواكبة هذا العصر وصناعة مستقبل مختلف.
ولو أن كل جهة اكتفت بأداء مهامها فقط، لما تغير شيء في المشهد العام، ولما شهدنا التحولات التي أعادت صياغة العلاقة بين المجتمع، والثقافة، والاقتصاد، والترفيه. فالتطوير لا يحدث عندما نبحث عن الأمان الكامل، بل عندما نمتلك الشجاعة لتجربة أفكار جديدة، حتى مع إدراكنا أن نتائجها ليست مضمونة بالكامل.
ومن هنا يبرز نموذج الهيئة العامة للترفيه بوصفه تجربة مختلفة في العمل العام؛ إذ لم تتعامل مع الترفيه كنشاط عابر، بل كمساحة ثقافية وتنموية واسعة، قادرة على التأثير في الذائقة العامة، وإعادة تشكيل صورة السعودية عن نفسها وعن العالم. ولم يقتصر دور الهيئة على الداخل، بل امتد حضورها إلى الساحتين الدولية والثقافية عبر عقد شراكات واتفاقيات مع جهات عالمية في دول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لبناء جسور من التعاون وتبادل الخبرات في مجالات الترفيه والتنظيم الثقافي.
ولم يعد موسم الرياض محصورًا داخل حدود المملكة العربية السعودية، بل تجاوز ذلك إلى حضور فعلي في المشهدين الرياضي والثقافي العالميين، في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، من خلال مبادرات وتنظيمات مميزة قادتها الهيئة العامة للترفيه برعاية المستشار تركي آل الشيخ. ففي الولايات المتحدة، أُعلن عن استضافة موسم الرياض لأول فعالية ملاكمة رسمية له خارج السعودية في صيف عام 2025 بمدينة لوس أنجلوس، في حدث جماهيري عالمي يعكس توجّه الموسم نحو تنظيم فعاليات رياضية وترفيهية مباشرة للجمهور خارج الحدود، وترسيخ حضوره كعلامة دولية في صناعة الترفيه. كما يمتد هذا الحضور إلى تنظيم حدث رياضي ريادي مقرر إقامته ضمن فعاليات موسم الرياض في السعودية في مارس 2026 في المملكة أرينا بمدينة الرياض، بمشاركة نخبة من نجوم الرياضة، وبث مباشر عبر شبكات إعلامية عالمية، بما يمنحه وصولا واسعا داخل الولايات المتحدة وخارجها، ويؤكد تحول الموسم إلى منصة ترفيهية عالمية التأثير.
أما في المملكة المتحدة، فقد نُظم في سبتمبر 2024 حدث عالمي بارز على أرض ملعب ويمبلي في العاصمة لندن، أحد أشهر الملاعب في العالم، وشهد نزالات رياضية وبرامج ترفيهية مصاحبة، مع بيع جميع التذاكر التي بلغت نحو 96 ألف تذكرة وهو رقم قياسي يعكس قوة الجذب الجماهيري للتجربة السعودية خارج حدودها. ويمثل هذا الحدث أول تنظيم مباشر باسم موسم الرياض في إحدى أبرز العواصم الأوروبية، ودلالة واضحة على قدرة التجربة السعودية على الاندماج في المشهد الرياضي العالمي، وبناء جسور اتصال ثقافي وإعلامي مع الجمهور الدولي.
ويرتبط هذا التحول بعقلية قيادية اختارت المغامرة المحسوبة، ويجسد تركي آل الشيخ في هذه التجربة نمطًا قياديًا مختلفًا؛ قيادة لا تُدار بالعُرف الإداري المألوف، بل بعقلية استشرافية تراهن على المستقبل قبل أن تتشكل معالمه. فهو قائد لا يكتفي بإدارة الواقع، بل يعيد صياغته، ويتعامل مع التحديات بوصفها فرصًا، ومع المخاطرة بوصفها أداة للتقدم لا عائقًا عنه. كما يتميز بقدرة عالية على اتخاذ القرار في بيئات غير مكتملة المعطيات، وبالانتقال بالمؤسسات من أدوارها التنفيذية الضيقة إلى أدوار تنموية وثقافية واسعة الأثر. وقد تبنى نهجًا غير تقليدي في إدارة القطاع، فراهن على دخول مجالات جديدة، وبناء شراكات دولية، وتنظيم أحداث عالمية في مدن كبرى مثل لندن وعدد من المدن الأمريكية، في خطوة لم تكن مألوفة في التجربة السعودية. إنّها قيادة تقوم على الجرأة الواعية، لا على الحذر المُعطل. واللافت في هذه التجربة ليس الجرأة بحد ذاتها، بل الوعي بأن الثقافة لا تُبنى من الداخل فقط، بل عبر الاحتكاك، والمقارنة، والحضور في الساحات التي تُصنع فيها الذائقة العالمية.
وهنا يتحول المنصب من وظيفة إلى موقف فكري:
إما أن تبقى أسير ما هو قائم، أو أن تخاطر لتصنع ما لم يكن ممكنًا من قبل.
وفي النهاية، لا يمكن لأي مشروع تنموي أن ينجح إذا كان قائمًا فقط على تنفيذ المهام؛ فالتقدم يتطلب شجاعة فكرية، واستعدادًا تامًا للمخاطرة، وإيمانًأ بأن الخوف من الفشل قد يكون أحيانًا أكثر كلفة من الفشل نفسه. وعندما تتحول الجرأة إلى قيمة مؤسسية، يصبح التطوير فعلًا يوميًا لا استثناء موسميًا، وتتحول الرؤية من وثيقة رسمية إلى ممارسة ثقافية حية.