رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

فاس.. عاصمة العلم والتراث الإنساني ووجهة عالمية للسياحة الثقافية

هير نيوز

تُعدّ مدينة فاس واحدة من أعرق المدن المغربية وأكثرها إشعاعًا حضاريًا وثقافيًا، إذ تحتل المرتبة الثانية من حيث عدد السكان بعد مدينة الدار البيضاء، كما تُعد أكبر مدن جهة فاس–مكناس. وقد تأسست المدينة سنة 182 هجرية الموافق لـ4 يناير 789 ميلادية على يد إدريس الثاني، الذي جعلها عاصمة للدولة الإدريسية، لتحتفل المدينة سنة 2008 بمرور 1200 سنة على تأسيسها.
وتنقسم مدينة فاس إلى ثلاثة أقسام رئيسية، هي فاس البالي، المدينة العتيقة التي يعود بناؤها إلى القرن الثامن الميلادي، وفاس الجديد التي شُيّدت خلال القرن الثالث عشر الميلادي، إضافة إلى المدينة الحديثة التي أُقيمت إبان فترة الحماية الفرنسية. وبفضل مكانتها التاريخية والسياحية، ظلت فاس حاضرة بقوة في تصنيفات أفضل المدن السياحية التي يُنصح بزيارتها وفقًا لمواقع عالمية متخصصة.

وقد أُدرجت مدينة فاس ضمن قائمة التراث العالمي، باعتبارها واحدة من أقدم وأكبر مناطق المشاة الحضرية الخالية من السيارات في العالم. كما تحتضن جامعة القرويين، التي تأسست سنة 857 ميلادية، وتُعد أقدم مؤسسة تعليم عالٍ لا تزال تؤدي دورها إلى اليوم، إلى جانب مدبغة شوارة الشهيرة التي يعود تاريخها إلى القرن الحادي عشر، والتي تُعد من أقدم المدابغ التقليدية في العالم.
وتزخر فاس بمعالم أثرية تعكس تعاقب الحضارات الإسلامية عليها، ومن أبرزها أسوار المدينة وبواباتها التاريخية التي شُيّدت بطريقة التربة المدكوكة، مثل باب محروق، وباب الدكاكين، وباب المكينة، وباب أبي الجنود، وباب الفتوح، وباب السمارين، وباب جبالة، وباب الكيسة.

 وداخل هذه الأسوار، تتميز المدينة بوجود نحو عشرة آلاف بناية أصلية، وسبعين كيلومترًا من القنوات المائية، إضافة إلى أربعة آلاف نافورة وسقاية، فضلًا عن القصور التي شيدها المرينيون فوق التلال المحيطة بالمدينة.
وفي اعتراف دولي بمكانتها، صُنّفت مدينة فاس، العاصمة العلمية للمغرب، رابع أفضل وجهة للسياحة الثقافية لعام 2024، وفق تقرير صادر عن موقع “تريب أدفايزر”، لما تزخر به من معالم تاريخية تستقطب أعدادًا متزايدة من السياح الأجانب.

وتنتشر في فاس مئات المساجد، ويُعد جامع القرويين أشهرها على الإطلاق، إذ أسسته السيدة فاطمة بنت محمد الفهرية سنة 245 هجرية/859 ميلادية، ليصبح لاحقًا مركزًا علميًا ودينيًا ظل يؤدي دوره قرابة ألف عام. وقد شهد الجامع توسعات كبرى في عهد علي بن يوسف المرابطي، وزُيّن بزخارف أندلسية بديعة. كما تتلمذ فيه عدد من أعلام الفكر والعلم، من أبرزهم الفيلسوف والطبيب موسى بن ميمون، الذي أصبح لاحقًا طبيبًا لصلاح الدين الأيوبي.
وضمت فاس عبر تاريخها نحو 785 مسجدًا، كان معظمها يؤدي دور المدارس العلمية، على غرار مساجد البصرة والكوفة، حيث دُرّست علوم الدين واللغة والتاريخ وغيرها من المعارف. ومن أشهر هذه المؤسسات مدرسة السلطان أبي عنان المريني، إضافة إلى مدارس عريقة مثل الصفارين والعطارين، التي تُعد تحفًا معمارية تبرز الذوق الفني الرفيع الذي ميز عمارة فاس، خاصة خلال القرن الثامن الهجري.

ولم يكن اختيار فاس عاصمة للثقافة الإسلامية أمرًا عشوائيًا، بل جاء تتويجًا لحراك ثقافي مستمر يتجسد في مهرجانات واحتفالات دينية وتظاهرات فنية متنوعة على مدار العام. وقد صُنفت المدينة تراثًا إنسانيًا عالميًا منذ سنة 1981، ما جعلها فضاءً لاحتضان مؤتمرات دولية ووطنية، من بينها المؤتمر الدولي لمدن التراث العالمي سنة 1993.
ولا تزال فاس إلى اليوم تمارس أدوارها الدينية والعلمية، بوصفها عاصمة للفقه والعلم، بفضل علمائها وفقهائها، ودور جامعة القرويين في الحفاظ على إشعاعها الشرعي والفكري والثقافي، لتظل فاس شاهدًا حيًا على عمق التاريخ المغربي وثرائه الحضاري

تم نسخ الرابط