رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم فاطمة المتحمي: الذكاء الاصطناعي والإبداع الأدبي

هير نيوز

نعيش اليوم تحولا معرفيا عميقا مع التسارع الهائل في تطور الذكاء الاصطناعي؛ تحول لم يعد فيه هذا الذكاء مجرد أداة تقنية مساعدة، بل أصبح شريكاً حاضراً في إنتاج المعرفة وصناعة المحتوى، بل وحتى في تشكيل الذائقة الثقافية. وسط هذا المشهد الجديد، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل يعزز الذكاء الاصطناعي الإبداع البشري، أم إنه يفرغه تدريجياً من روحه؟

لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي أحدث نقلة كبيرة في عالم الكتابة والتأليف. فقد منح الكتاب والباحثين أدوات قادرة على توليد الأفكار، وصياغة النصوص، واقتراح الحبكات، وحتى محاكاة أساليب أدبية معروفة. هذا التيسير الواسع أزال كثيرا من العوائق التقنية التي كانت تثقل كاهل المبتدئين أو غير المتفرغين للكتابة. لم يعد الكاتب مضطراً إلى سنوات طويلة من التدريب اللغوي الصارم ليكتب نصا متماسكا؛ فالنماذج الذكية تستطيع تقديم مسودات جاهزة خلال دقائق.

لكن في قلب هذا التيسير تكمن مفارقة مقلقة: كلما أصبحت الكتابة أسهل تقنياً، ازدادت احتمالية أن تصبح أكثر سطحية ثقافياً. فالإبداع الأدبي لا يقوم فقط على براعة الصياغة، بل ينبع من التجربة الإنسانية، والصراع الداخلي، والوعي النقدي، والقدرة على مساءلة الواقع. هنا يظهر الخطر الحقيقي؛ إذ إن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يحول الكتابة من فعل إنساني تأملي إلى عملية آلية لإعادة ترتيب أنماط لغوية جاهزة.

في المشهد الأدبي الحديث، يمكن ملاحظة تغير في طبيعة النصوص المنتجة. فبدل أن تكون الكتابة مساحة للتجريب والمجازفة الفكرية، أصبحت في كثير من الأحيان محكومة بمنطق «السرعة» و »الكفاءة» و»الملاءمة الخوارزمية». النتيجة هي نصوص أكثر اتساقاً شكلياً، لكنها أقل فرادة وجرأة فكرياً. فالذكاء الاصطناعي بطبيعته يميل إلى المتوسط الإحصائي، بينما يولد الإبداع الحقيقي من الخروج عن المألوف.

ولا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على عملية الكتابة نفسها، بل يمتد إلى الثقافة الأدبية بأكملها. فعندما يصبح إنتاج النصوص سهلا ورخيصا، تتضخم الكمية على حساب الجودة، ويغرق المشهد الثقافي في محتوى متشابه ومتكرر. ومع هذا الفيضان، تتراجع قيمة الجهد الإبداعي الفردي، ويضعف تقدير المجتمع للكاتب بوصفه صاحب رؤية خاصة، ليحل محله منتج محتوى سريع يمكن استبداله بضغطة زر.

في المقابل، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يعيد تعريف مفهوم «الكاتب» ذاته. فهل الكاتب هو من يمتلك المهارة اللغوية فقط، أم من يعرف كيف يوجه الذكاء الاصطناعي، ويطرح الأسئلة الصحيحة، وينقح المخرجات، ويضخ فيها روحه الإنسانية؟ ربما نحن بصدد ولادة شكل جديد من الإبداع الهجين، حيث يصبح الإنسان مخرجاً للنص أكثر منه كاتباً تقليدياً.

ومع ذلك، يبقى الخطر الأكبر هو تآكل التفكير الإبداعي العميق. فعندما يعتاد الجيل الجديد على توليد الأفكار بضغطة زر، قد تتراجع قدرته على التأمل والبحث الذاتي وبناء رؤيته الخاصة للعالم. فالإبداع ليس مجرد إنتاج كلمات؛ إنه عملية تشكل للذات، وطريقة في فهم اللغة والواقع والآخر.

لذلك، لا يكمن التحدي الحقيقي في رفض الذكاء الاصطناعي أو الاحتفاء به دون نقد، بل في إعادة ضبط علاقتنا به. يجب أن يُنظر إليه كأداة تُعين الإنسان لا كبديل عنه، وكوسيلة توسع الإمكانات لا تختزلها. نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة تُعلم الكتاب الاستفادة من الذكاء الاصطناعي دون أن يفقدوا أصواتهم الخاصة، والموازنة بين الكفاءة التقنية والعمق الإنساني.

في النهاية، يبقى الأدب ابن التجربة البشرية بكل تناقضاتها، ولا يمكن لخوارزمية مهما بلغت من التطور، أن تحل محل القلب الذي يشعر، والعقل الذي يتساءل، والذات التي تعاني وتحلم وتحب. وإذا كان الذكاء الاصطناعي قد سهل كل شيء، فإن مهمة الإنسان اليوم هي أن يحافظ على الأهم: القدرة على التفكير بحرية، والإبداع بصدق، والكتابة بروح.

نقلا عن الوطن السعودية

تم نسخ الرابط