الحرف التقليدية في عُمان .. رافد اقتصادي وداعم للخصوصية الثقافية
تمثل الحرف التقليدية العُمانية ركيزة ثقافية واقتصادية ضمن منظومة الاقتصاد الإبداعي، لما تحمله من قيم معرفية واجتماعية متوارثة، تجسد عمق الإرث الثقافي في الهوية الوطنية، وتعكس إبداعات الحرفيين المستمدة من هوية المكان وخصوصيته الثقافية.
وتشمل هذه الحرف مجموعة متنوعة من الصناعات التقليدية، من بينها: صناعة الفضيات والسعفيات والفخار والخزف والنسيج، وهذه الحرف من الناحية الثقافية لا تشكل قيمة مادية فحسب، بل تعكس تفاعل الإنسان العُماني مع بيئته وقدرته على تحويل الموروث الثقافي إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية مستدامة.
وفي إطار الحفاظ على المرجعيات التراثية الأصيلة وتشجيع الابتكار في المنتجات الحرفية، تبذل وزارة التراث والسياحة ممثلة بدائرة التراث الحرفي جهودًا متواصلة لحفظ وصون الحرف التقليدية من خلال حصرها وتصنيفها، وتوثيق المهارات والمعارف المرتبطة بها من حيث: أساليب إنتاجها وأدواتها وموادها الخام والزخارف والرموز المتوارثة على أسطح المنتجات الحرفية القديمة.
تشمل هذه الجهود كذلك تسجيل الروايات الشفوية والسياقات الثقافية المرتبطة بالحرف بما يسهم في تعزيز الهوية الوطنية للتراث الثقافي، وضمان استدامتها ونقلها للأجيال القادمة، إلى جانب فتح آفاق متنوعة أمام الحرفيين للتطوير والابتكار، وتمكينهم من تقديم أفكار إبداعية وتأسيس مؤسسات حرفية ريادية، فضلًا عن الاستفادة من العمق الثقافي للحرف العُمانية، وإيجاد فرص استثمارية واعدة في المحتوى المحلي.
تسعى وزارة التراث والسياحة، إلى إعداد الدراسات والبحوث الحرفية بوصفها مدخلاً استراتيجياً للانتقال بالحرفة من نطاق الحفظ والصون إلى مجال التنمية المستدامة، وذلك من خلال دراسات حرفية متخصصة تركز على المواد الأولية المحلية للصناعات الحرفية العُمانية، بالتعاون مع جهات أكاديمية والمؤسسات ذات العلاقة، بهدف الحفاظ على أصالتها وجودتها وتعزيز قابليتها للتطوير المعاصر وإيجاد فرص استثمارية وبلورة مواصفات ومقاييس تعزز القيمة المضافة للمنتج الحرفي.
ولعل من أبرز هذه الدراسات دراسة القطن العُماني (الخنضرني) من حيث زراعته وغزله وإمكانات توظيفه في المنتجات النسيجية الحرفية، ودراسة الجلود العُمانية والاستفادة منها عبر تفعيل المسالخ وتهيئة الجلود الطبيعية للحرفيين العُمانيين بما يعزز القيمة التنافسية للمنتج الحرفي، حيث تم الانتهاء من إعداد المشروع بالتعاون مع بيت خبرة متخصص ويجري العمل حاليًا على مرحلته التنفيذية.

تراعي القيمة المضافة لهذه المشاريع العامل الاقتصادي بوصفه أساس الاستدامة في أي نشاط صناعي أو تجاري، وهو ما تتمتع به الحرف العُمانية من قدرة على الاستمرارية والتوارث بين الأجيال، حيث تسهم هذه الدراسات في تعظيم عوائدها الاقتصادية من خلال تحديد الفرص الاستثمارية واستغلالها بالتعاون مع المؤسسات الحكومية والخاصة.
ووفقاً للدراسات الإنسانية، يعتمد البيت الحرفي العُماني على استراتيجية تسويقية متكاملة تقوم على إبراز الهوية الوطنية للمنتجات الحرفية وتقديمها بطابع عصري يواكب متطلبات السوق، إلى جانب توفير منافذ تسويقية مجانية دون فرض أي رسوم أو هوامش ربح على الحرفيين، بما يسهم في تعزيز قدرتهم على النفاذ إلى الأسواق المحلية والدولية وتحسين فرص الاستدامة الاقتصادية لأعمالهم.
تتمثل إحدى الركائز الاستراتيجية في منح كل محافظة ميزتها التنافسية وبيئتها الثقافية والجغرافية وما تشتهر به من منتجات حرفية، إضافة إلى عرض منتجات مختارة من محافظات أخرى داخل كل منفذ لتنويع المعروضات ويفتح آفاقًا أوسع للتسويق المتبادل بين الحرفيين على مستوى المحافظات، مع الحفاظ على الهوية الوطنية الجامعة للمنتج العُماني