رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم مريم النويمي: زواج المضطربين عقليا جريمة

هير نيوز

ولدت إحدى السيدات وأدخل طفلها العناية المركزة لحديثي الولادة لأيام. الأم لم تزره خلال ذلك، وعند خروجه جاءت مع زوجها ووالدتها. التفتت الأم لوالدتها وسألتها «يعني أحبه»! وكأنها تسأل إذا كان يجب عليها أن تحبه. أمها هي من تهتم بها وهي من سيهتم بطفلها معها، كما قالت، لأن ابنتها لديها إعاقة عقلية وليست نفسية يخففها أو يعالجها دواء. تساءلت حينها: «لماذا ظُلمت، كيف تكلف بما لا تدركه، لا تفهمه حق فهمه، شيء يفوق قدراتها». فرائض الدين تسقط إذا ما اختل العقل ونقصت الأهلية، فكيف بواجبات الحياة! أعرف أنها تشعر بأمومتها، ولكن لست على يقين بأنها تدرّك مسؤولياته.

الأم تهتم، تربي، تعلم وتحمي، فكيف بإنسان غير قادر على حماية ورعاية نفسه، لا يفرّق بين ما ينفعه وما يضره! حكاية تتكرر، فقد قابلتُ أماً أخرى في مستشفى طرفي بقسم ما بعد الولادة من «ذوي متلازمة داون»، ولادة طفلها الثاني، لم يلاحظ أحد أنها كذلك، لم تُشخص في طفولتها، لم تكمل دراستها المتوسطة، لأنها (مو شاطرة) بحسب تعبير أختها التي كانت ترافقها، لا تشبه أختها أبداً، لم يتجاوز عمرها 25 عاماً، لكن قدراتها العقلية كانت جيدة، أرجح أنها من «ذوي متلازمة داون الفسيفسائية» (موزاييك)، الذين - عادة - تكون قدراتهم العقلية ومهاراتهم أفضل وملامحهم أقل حدة، ستكون أماً جيدة، مهاراتها تساعدها، وخبرتها السابقة تثبت ذلك. الفكرة أن لا أحد يعرف بذلك، فهل من السهل مصارحتهم الآن؟ ماذا عن زوجها! هل سيتغير معها ويعاملها بمفهوم مختلف! أو بمبدأ أنا صابر عليكِ، ويحلل كل موقف سابق ويربطه بوضعها، وإن كانت على حق. لكن ماذا لو أنجبت طفلا مصابا بالمتلازمة، وهو ما يمكن حدوثه؟ بالتأكيد سيُفحص الوالدان، بخاصة إذا كانت الأم تحت سن 35 سنة، وينكشف الأمر. لا أجد في هذه الأم مشكلة، فقدراتها تناسب مهامها وحياتها بسيطة الآن، أطلب من الله ألا يتم تشخيصها حتى لا يستغل أحدٌ وضعها بشكل أو بآخر.

ما بين أم مصابة بإعاقة عقلية متوسطة وأخرى بسيطة، هناك حكايات وقصص عديدة. قبل سنوات حينما كنت طبيبة أطفال استدعيت لقسم الطوارئ لمعاينة طفل عمره 3 أشهر، حممته أمه بماء حار فأصيب بحروق من الدرجة الأولى، الحمد لله، وإلا كان قد أصيب بضرر كبير قد يقتله. حينما سألت الأم كانت تجيبني والدتها، وحينما طلبت منها أن تترك الأم تتحدث، همست لي (ما تفهم، عقلها على قدها). أمها ترى أن عقلها قليل وما تفهم، لذلك - كما قالت - هي من تفعل كل شيء، وحين انشغلت عنها لأول مرة، حممت الأم طفلها بالطريقة التي رأت والدتها تفعله، لكنها لم تقدر حرارة الماء، لم تدرك أهمية ذلك. إذا كان عقلها كذلك لماذا تمّ تزويجها! لماذا حُمّلت مسؤولية رجل وبيت وأسرة، اعتماداً على وجود أمها ومساعدتها ورعايتها! ليست الفتيات ناقصات الأهلية، وحدهنّ يتم تزويجهن، بل حتى الذكور. بعض الفتيات السليمات يقبلن أو يجبرنّ على الارتباط بشخص فاقد الأهلية ولديه اضطرابات عقلية قد تكون شديدة، رغبة من الأهل في الحفاظ على نسله، واستمرار اسمه. الزوجة هنا تتحمل مسؤولية التعامل معه، وأهله يتكلفون بالمسكن والمأكل والمشرب. المرأة تبحث في الزواج عن السكينة والطمأنينة، التي لا يضمنها هذا الزواج الذي تنقّصه الأهلية. أليس من شروط الزواج سلامة العقل والتمييز في كلا الطرفين! فكيف حدث هذا؟ يتم التزويج في هذه الحالات إما خوفاً من الوصمة الاجتماعية، رغبة في الستر - بالذات للفتيات- وتحميل الطرف الآخر مهمة الرعاية والعناية بخاصة في حال اضطراب الزوج الذهني أو العقلي، ورغبة في رؤية الأحفاد منه. كل هذه الدوافع ليست عادلة، بل ظلم مقنع، تحميل الإنسان فوق طاقته جريمة.

زواج المصابين والمصابات باضطرابات عقلية أو ذهنية والإنجاب ليس حقًا مطلقًا ولا أمرًا مرفوضًا على المطلق، بل قضية تُقيَّم حالة بحالة، وفق القدرة العقلية، والمصلحة، وغياب الضرر، فحفظ كرامة الإنسان، وصون حقوقه، وحماية الأجيال القادمة، يجب أن تكون هي المحور الأساس في القرار والأنظمة.

نقلا عن الوطن السعودية

تم نسخ الرابط