رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم أنس الرشيد: إنما النحو تكنولوجيا

هير نيوز

أظن أن مولانا الرومي أول من نقل للعرب حكاية الملاح والنحوي، إن لم يكن هو من اخترعها، الحكاية تقول إن نحويًا ركب في سفينة، وبينما كان منتشيًا سأل الملاح: هل تعرف النحو؟ أجاب: لا، فقال النحوي: «ذهب نصف عمرك». حفظ الملاح هذه الإجابة على أنها موت حقيقي لنصف العمر؛ إذ لما اشتدت الريح، وظنت السفينة أنها غارقة؛ حضرت ذاكرة الملاح لتنتقم وتسأل النحوي: هل تعرف السباحة؟ أجاب: لا، فقال الملاح: «ذهب كل عمرك». لماذا اختارت الرواية أن يكون راكب السفينة نحويًا؟ النحوي صانع علامات تسمي الفاعل وتميز المفعول وتختصر زمن الالتباس، كأنه ملاح يحتاج إلى علامات ليقود الريح والتيار لتنجو السفينة من الأخطار، إذا فقدت هذه العلامات أو فشل الملاح في القيادة فإن وعي ركاب السفينة الجمعي سيتحول إلى فردانية تبحث عن نجاة النفس من الغرق، لهذا لا يمكن أن تذكر العلامات إلا ويأتي ذكر النحو وعلامات الإعراب التي إذا فقدها المتحدث أدخل سامعه في فردانية التأكد من مقاصد الكلام، ألا ترى أنه لو تركت العلامات في «قاد السامع المتحدث» سيضطر المتلقي إلى التأكد- واقعيًا- من كون السامع هو الذي يقود وليس المتحدث؟ وهذا بطء في عملية التلقي، لهذا كان النحوي في قيادة الفهم الجمعي كالملاح وسفينته في قيادة نجاة الركاب. واللافت أن وضوح الرؤية ليس لازمًا للنجاة، لأن النحوي والملاح لن يسلما من الغرق بأدواتهما، إنما بانمحاء كبرياء الذات، وهذا ما جعلني أنص على الرومي؛ لأنه علق قائلًا: «فاعلم أن ما ينبغي هنا هو المحو وليس النحو» والنحو هو الطريق والجهة والقصد، وهذا ينطبق على الملاح والنحوي في آن واحد، وأما المحو فهو محو التفوق الذاتي، ألا ترى أن الميت يطفو على سطح الماء؛ لأنه أزيلت عنه صفات الأنا الاعتيادية، وأما الحي فهو من بقي فيه أثر التمسك بالأنا الادعائية فيريد أن ينجو بشهاداته العلمية والبحر لا يعترف بالشهادات؟.

النوادر التي قيلت عن النحاة لم تكن إلا نوادر على إصرار بعض النحاة على أن الوضوح شرط لازم لطريق المعنى كله، كمثل قولهم: «وقالوا قام زيد ثم ظنوا/بدون الرفع زيدًا لن يقوما»، وربما هي التي أمرضت ذلك الرجل في نادرة الخليل بن أحمد لما زار مريضًا ووجد أخاه يلحن فوق رأسه، فقال له الخليل «إن علة أخيك منك»، لهذا كأن قول الملاح: «هل تعرف السباحة» هو اعتراف مبطن بأن أدواته لا تكتمل، إذ لم يقل هل تعرف الملاحة؟ ومن هنا كان غرق السفينة محوًا للنحوين، نحو النحوي في الكلام ونحو الملاح في الطريق، على طريقة أن الوجود واللغة يعيشان بشبكة قرائن وليس بعلامة واحدة، وفي الوقت نفسه لن يمحو الموج أن النحو تكنولوجيا وضوح تسرع الوصول إلى شطآن أرادها ملاحها، كأن النحوي يقول: «قد تفهم المراد لكنك ستدفع ثمنًا معرفيًا وهو بطء الفهم واحتمال سوئه ثم إعادة القراءة والتأكد من واقعيتها». وأذكر أني قرأت للشيخ المدهش ابن عاشور تعليقات على شرح المرزوقي لحماسة أبي تمام مفادها- والعهدة على ذاكرتي- أن الإعراب يحول الإدراك من كسل معرفي إلى فهم سريع، وكأني بالشيخ يريد أن يقول إن النحو اقتصاد معرفي، وهو فن لفصاحة الكلام العربي (وليس فن الفصاحة). وإذا كان قارئ الرسم التجريدي يعرف علاقات الألوان والخطوط والكتلة والفراغ في اللوحة لأنه عرف (نحو) هذه الشبكة الفنية، فإن العربي يسمح للغة أن تشطح في الرتب (تقديم/تأخير) دون أن يخاف من ضياع العلاقات، وأن تكثر اللغة من الحذف والاختصار دون الخشية من ضياع الدلالات الواضحة، وهذا يذكرنا برسام إيطالي لون ذيل حمار ثم ثبت خلفه قماشًا أبيض فترك الذيل بحركته يرسم خطوطًا متقاطعة ومتداخلة حتى استوت لوحة كاملة، وحين عرضها على الناس بالغ النقاد في استخراج تأويلات للوحة، وهذا يعني أنه كلما امحت العلامات انكشف التأويل على مصراعيه لدرجة سخرية الواقع. ويمكن أن تدرج من نوادر الرسامين على غرار نوادر النحاة، ويمكن لنقاد اللوحة أن يقولوا كما قال ابن جني عن ذلك الذي حذف أداة قامت مقام عامل محذوف: «لقد أجحفت، وما كان لك اختصار المختصر»، وهذا ما يجعل النظرية الحديثة في نشوء اللغات تميل إلى قول إن (حرية) ترتيب الكلمات سيحوج اللغة إلى وسائل ترميز إضافية إلى العلامات الإعرابية، وهو الشأن نفسه مع رسمة الحمار وعلاماتها، فحين يتحرر الفن سينتج علاماته الموازية التي تمنع قول إن الإبداع لا علامات له ولا تكنولوجيا نحوية تسير مع حريته.

التفاتة:

هل تذكرنا رسمة الحمار بحكاية الفرزدق مع عبدالله بن أبي إسحاق؟ الحكاية التي تقول: إن الفرزدق كان مستاء من العلامات النحوية لكنه يعلم أنها المقود الذي يحرف السفينة متى شاء وكيف شاء، ومن دونه لا وجود لملاح ولا لركاب سفينة، لهذا لما سأله ابن أبي إسحاق: علام رفعت (مجلف) في قولك «وعض زمان يا ابن مروان لم يدع/من المال إلا مسحتًا أو مجلف»؟ قال الفرزدق: على ما يسوؤك، علي أن أقول وعليك أن تعرب. المفارقة أن ابن أبي إسحاق (المشتوم) هو الوحيد الذي قال: «للرفع وجه» بينما النحاة الآخرون لا يرون له وجهًا، لدرجة أن الزمخشري قال: هذا بيت لا تزال الركب تصطك في تسوية إعرابه. الفرزدق لم يترك الإعراب لكنه غير العلامة فضلل القارئ، ولو سكت عن العلامة كليًا لبطأ من سرعة فهم القارئ، وكان ابن أبي إسحاق -كناقد رسمة الحمار- مذمومًا من صانع النص مع أنه أحياه في سوق التلقي.

نقلا عن الوطن السعودية

تم نسخ الرابط