الفنانة سناء هيشري تُعيد ذاكرة الأجيال وترسّخ قيم الوُلفة في الثقافة العربية
في سياق الحراك الثقافي العربي الساعي إلى إعادة الاعتبار للهوية وتعزيز الروابط المجتمعية، يبرز المشروع التشكيلي–البحثي “عروق الزمن” للفنانة سناء هيشري بوصفه مقاربة فنية تتجاوز حدود التعبير الجمالي إلى مساءلة الذاكرة الجماعية ذاتها.
يتجاوز المشروع حدود الصورة إلى عمق مفهوم «الوُلفة» بوصفها رابطة وجدانية وثقافية تتوارثها الأجيال، من خلال دراسة تمثّل المرأة العربية عبر ثلاثة أجيال متعاقبة، حيث تتجلّى بوصفها حاملةً للذاكرة وصانعةً للتحوّلات الاجتماعية في آنٍ واحد.
امتداد بحثي ورؤية متكاملة
تأتي هذه الدّراسة الفنيّة استكمالاً لمسار بحثي سابق للفنانة تحت عنوان “نضال من ألوان”، الذي تناول حضور المرأة العربية في مسار البناء الاجتماعي وصناعة الوعي.
أما في “عروق الزمن”، فتتجه الرؤية نحو تحليل التحولات البصرية والرمزية في صورة المرأة عبر الزمن، مع إضاءة خاصة على نماذج من المرأة الإماراتية والسورية والتونسية والمصرية والعراقية، و غيرها بوصفهن تجليات ثقافية متعددة السياقات، موحّدة في جوهر العطاء والصمود.
قراءة في البنية الثقافية التي تشكّل صورة المرأة داخل مجتمعها، وكيف تتحول هذه الصورة من رمز للثبات إلى فاعل في دينامية التغيير.

بين الأصالة والتحوّل: قراءة في التمثّلات
في مقاربتها لصورة المرأة العربية، تنسج الفنانة قراءة بصرية دقيقة تلتقط توازنات الهوية داخل حركة الزمن، وتحوّل هذا الوعي التحليلي إلى تجسيدٍ ملموس في نماذجها التشكيلية؛ فتتجلى المرأة الإماراتية في العمل بوصفها معادلةً منضبطة بين الجذور الراسخة والوعي الحداثي المتسارع، ضمن سياق نهضة ثقافية أعادت تعريف حضورها الاجتماعي والمعرفي، لتغدو الصورة مشدودةً إلى التراث بقدر انفتاحها على الأفق أما المرأة المصرية فتتجلى كامتداد لذاكرة حضارية عميقة، تتراكم فيها الرموز كما تتراكم الطبقات التاريخية في وجدان المكان؛ في بنيتها البصرية يتداخل الإرث الفرعوني والعربي والحديث في صياغة مشهد إنساني كثيف، اما المرأة السورية فتتجسّد في العمل بصورةٍ متجذّرة في عمقها الحضاري، تستمدّ من تاريخها قوة اتزان تمنحها قدرة دائمة على تجديد ذاتها، تتجلى في بنيتها التشكيلية روح صلبة ووعي ناضج، يجعلانها مركز الاستمرار الأسري والثقافي،حضور
المرأة التونسية في اللوحة يجمع بين عمق الإرث الإصلاحي ووعيٍ مدنيّ راسخ، فتغدو في بنيتها التشكيلية رمزاً للعقل المستنير والاستمرارية الثقافية عبر الأجيال.
جماليات الملمس واللون: الزمن بوصفه مادة تشكيلية
تتجلى خصوصية “عروق الزمن” في المعالجة التقنية التي تمنح الزمن حضوراً مادياً داخل اللوحة.
في لوحة “الجدة” (الجيل الأول)، تعتمد الفنانة على ملامس كثيفة وخطوط متشققة تحاكي أخاديد السنين، بحيث يصبح الوجه مساحةً تتراكم فيها التجربة ، أما في تمثيل الجيل المعاصر، فتبرز بنية لونية أقرب إلى الموزاييك المتداخل، في إشارة إلى تشظي المرجعيات وتعدد الانتماءات البصرية في زمن الحداثة.
وتتكرر الخطوط العمودية التي تخترق الوجوه كأنها عروق ممتدة في جسد التاريخ؛ عنصر تشكيلي يوحّد السلسلة البصرية، ويربط الماضي بالحاضر في توازن محسوب بين الجرأة والانضباط.
الوُلفة بوصفها بنية حضارية
تُقدّم هذه اللوحات الفنيّة الترابط الأسري كبنية حضارية تحفظ استمرارية الهوية، حيث تُظهر الفنانة عبر تصوير ثلاثة أجيال متتابعة آلية انتقال القيم: الجدة بوصفها ذاكرة متجذّرة، الأم بوصفها حلقة وصل تنسج الرابط بين الماضي والحاضر، والحفيدة أفق مفتوح يحمل الإرث نحو المستقبل.
هنا تتحول اللوحة إلى وثيقة بصرية تُسجّل أثر الزمن في الملامح، لكنها في الوقت ذاته تؤكد أن الانتماء يعيد تشكيل نفسه داخل كل جيل.
من خلال هذا الحوار بين ثلاث أجيال تقدّم سناء هيشري بحثاً بصرياً متكاملاً يحتفي بالمرأة في يومها العالمي عبر قراءة تشكيلية عميقة تجعل من الفن أداة توثيق وتأمل في آن واحد.
“عروق الزمن” محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الذاكرة والهوية، وبين المرأة والزمن، ضمن خطاب فني رصين يستند إلى البحث كما يستند إلى الحس الإبداعي