ما حكم الصيام على جنابة وتأخير الاغتسال في رمضان؟.. الإفتاء تُجيب
ورد سؤال إلى دار الإفتاء المصرية ، عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الإجتماعي “ فيسبوك” ، جاء نصه : “ “حكم الصيام على جنابة وحكم تأخير الاغتسال من الجنابة في رمضان ”.
وتعرض "هير نيوز" تفاصيل الإجابة الخاصة بدار الإفتاء المصرية على هذا السؤال ، وذلك من خلال السطور التالية.
حكم الصيام على جنابة وحكم تأخير الاغتسال من الجنابة في رمضان

أوضحت دار الإفتاء، حكم تأخير الـ جنابة وعدم التسرع في التطهر منها، قائلة إنه لا يصح شرعًا شيء مما انتشر بين العوام من أن الملائكة تلعن الجنب في كل خطوة، أو أنها تلعنه حتى يغتسل، أو أن كل شعرة فيه تحتها شيطان، ولا تجوز نسبته إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأضافت أنه مع ذلك ينبغي المسارعة إلى الطهارة من الـ جنابة ما استطاع المسلم إلى ذلك سبيلًا، وإلا فيستحب له أن يتوضأ إذا أراد معاودة الجماع أو الطعام أو النوم أو الخروج لقضاء حوائجه والتصرف في بعض شؤونه، ولا يكون الجنب آثمًا بتأخيره غسل الـ جنابة ما لم يؤد ذلك إلى تأخير الصلاة عن وقتها، فيأثم لتأخيره الصلاة عن وقتها.
فالصلاة تحتاج إلى طهارة سواء اغتسال من حدث أكبر وهو الجنابة أو تطهر من حدث أصغر، أما الصيام فطالما أن الجنابة وقعت قبل الفجر فالصيام جائز؛ لأن الاغتسال شرط لصحة الصلاة وليس شرطا لصحة الصيام.
وقالت دار الإفتاء إن الطهارة من الحدث الأكبر ليست من شروط صحة الصيام، ولا من أركانه، وقد جاءت النصوص الشرعية دالةً على ذلك؛
وقال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: 187]، ووجه الدلالة من هذه الآية: أن الله لَـمَّا أباح الجماع إلى طلوع الفجر أجاز للإنسان أن يصبح صائمًا وهو جُنُب دون أن يغتسل، وعليه أن يبادر إلى الطهارة والاغتسال من أجل المحافظة على إيقاع الصلوات في أوقاتها؛ فالطهارة شرطٌ لصحة الصلاة، لكنها ليست شرطًا لـصحة الصوم.
وأيضا قَولُ الله تعالى: "فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ" [البقرة: 187]
معنى ذلك أنَّ الجِماع مباحٌ في رمضانَ إلى طلوعِ الفجْرِ، وإذا جامَعَ قبل طلوعِ الفجْرِ، فإنَّه يستلزِمُ أن يطلُعَ الفجرُ عليه وهو جنُبٌ.
وعن عائشةَ وأمِّ سلمةَ رَضِيَ اللهُ عنهما: "أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان يُدرِكُه الفجرُ وهو جنُبٌ مِن أهلِه، ثمَّ يغتسلُ ويصومُ".
فإذا من أجنب في الليل ثم أصبح صائمًا ولم يغتسل إلا بعد طلوع الفجر، فإن صومه صحيح، وقد دلت على ذلك أحاديث كثيرة، فعن عائشة رضي الله عنها: "أن رجلًا قال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم، فقال: لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي". رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبًا من جماع ـ لا حلم ـ ثم لا يفطر ولا يقضي". رواه مسلم.
قال الشوكاني ـ رحمه الله ـ معلقًا على هذه الأحاديث: هذه الأحاديث استدل بها من قال إن من أصبح جنبًا فصومه صحيح ولا قضاء عليه من غير فرق بين أن تكون الجنابة عن جماع أو غيره، وإليه ذهب الجمهور وجزم النووي بأنه استقر الإجماع على ذلك، وقال ابن دقيق العيد: إنه صار ذلك إجماعًا أو كالإجماع.
إن صيام من أصبح في نهار شهر رمضان وهو على جنابة وجب عليه الغسل وصومه
صحيح شرعًا، مع مراعاة عدم تأخير الغسل لحين خروج وقت الصلاة
أما بالنسبة لكون الإنسان جُنُبًا حال الصيام فهذا لم يَعُدَّه الفقهاء من المفطِّرات التي تُفسد الصوم أو تؤثر على صحته؛ لأنهم اتفقوا على أنَّ أصول المُفَطِّرات هي: الأكل، والشرب، والجماع، وطروء الحيض، والنفاس قبل انتهاء وقت الصيام، والقيء عمدًا.
قال العلامة ابن القَطَّان في "الإقناع" (1/ 231، ط. الفاروق الحديثة): [واتفقوا على أن الأكل لما يغذي من الطعام مما يستأنف إدخاله في الفم، والشرب، والوطء حرام من حين طلوع الفجر إلى غروبها] اهـ، وقال أيضًا في (2/ 65): [وأجمعوا على أن الصائمة صومًا واجبًا إن حاضت قبل أن تتمه أنها تقضي أيام حيضتها إذا طهرت] اهـ.
كما أنَّ العلماء قد أجمعوا على أنَّ الغُسل من الجنابة واجب على الرجل والمرأة.
قال العلامة ابن القَطَّان في "الإقناع" (1/ 97): [واتفق أهل العلم على أن خروج الماء الدافق الذي يَفترُ منه الذَّكَر بجماع كان أو باحتلام، أو بأي وجه كان من الرجل أو المرأة، موجب للغُسل] اهـ.
بيان أن العبادة إذا وقعت مستوفية الأركان والشروط فإنها صحيحة
مقتضى ذلك أنَّ من كان يصوم وهو جُنُب جهلًا بالغُسل وكيفيته فصومه صحيحٌ شرعًا، لأن المقرر أن العبادة إذا وقعت على الهيئة المطلوبة، ومستوفية للأركان والشروط فإنها صحيحة ومجزئة.
قال العلامة الزَّرْكَشِي في "تشنيف المسامع بجمع الجوامع" (1/ 179، ط. مكتبة قرطبة): [العبادة إن وقعت مستجمعة الأركان والشروط كانت صحيحة، وإلا ففاسدة] اهـ.
وقد نص بعضهم على هذا في خصوص الصوم، قال العلامة علاء الدين السَّمَرْقَنْدِي الحنفي في "تحفة الفقهاء" (1/ 351، ط. دار الكتب العلمية): [متى وُجِد الركن مع وجود ما ذكرنا من الشرائط من الأهلية والوقت وغير ذلك، يكون صومًا شرعيًّا] اهـ.
ومما تجدر الإشارة إليه أن الأولى والأليق بالمسلم أن يتم الصوم مع كون الشخص مستوفيًا للشروط، ومحقِّقًا للأركان، وهو على طهارة؛ حتى يتمكن من المحافظة على الصلاة، والدخول إلى المسجد، وأن يتمكن من مس المصحف، والقراءة منه، ومن ثَمَّ التمكن من فعل أكبر قدر من النوافل والمستحبات.