بقلم أصيل الجعيد: الصراع تحت السقف
في ظاهر المشهد، يبدو أن ما يجري في الخليج يحمل مفارقة يصعب فهمها: توتر عسكري، ضربات محدودة، وجود بحري كثيف، ومع ذلك تستمر ناقلات النفط في العبور، وتواصل بعض الدول استيراد الخام، وتبقى الإمدادات متدفقة كما لو أن شيئًا لم يتغير. هذه الصورة لا تعكس تناقضًا بقدر ما تكشف عن منطق عميق يحكم العلاقة بين السياسة والطاقة في عالم شديد الترابط.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل شريان اقتصادي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية. أي اضطراب شامل في هذا الممر يعني أثرًا مباشرًا على الأسعار، وسلاسل الإمداد، واستقرار الاقتصادات. من هنا تتقاطع مصالح قوى متباينة في هدف واحد: استمرار التدفق. التوتر قد يرتفع، والرسائل السياسية قد تتصاعد، غير أن الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في حركة الطاقة يظل أولوية مشتركة، حتى بين أطراف تختلف في ملفات أخرى.
الوجود البحري الدولي في المنطقة يندرج ضمن هذا الإطار. وظيفته الأساسية تأمين الملاحة ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، وليس فرض حصار كامل على تدفقات الطاقة. هذه المقاربة تعكس إدراكًا بأن الإغلاق الشامل يفتح بابًا لأزمة عالمية يصعب احتواؤها، ويضع جميع الأطراف أمام كلفة اقتصادية عالية. لذلك تتجه السياسات نحو إدارة التوتر، عبر أدوات الردع والاحتواء، مع إبقاء خطوط الإمداد الأساسية قائمة.
أما ما يتعلق باستمرار تصدير النفط رغم العقوبات والضغوط، فيرتبط بطبيعة سوق الطاقة نفسها. هذه السوق لا تتحرك وفق قرارات سياسية مجردة، بل وفق شبكة معقدة من الاحتياجات والمصالح. الدول المستوردة، بخاصة الكبرى منها، تبحث عن تأمين احتياجاتها بأسعار معقولة وبشكل مستقر. في المقابل، الدول المصدرة تعتمد على العائدات النفطية كمصدر رئيسي للدخل. بين هذين الطرفين تتشكل مساحات من المرونة، تظهر في صيغ متعددة من التبادل التجاري، بعضها مباشر وبعضها عبر قنوات غير تقليدية.
العقوبات بدورها لا تُدار كأداة إغلاق كامل، بل كوسيلة ضغط قابلة للتدرج والتكيّف. في التطبيق العملي، تتضمن استثناءات، وتأخذ في الاعتبار تأثيرها على السوق العالمية. هذا الأسلوب يسمح بتحقيق أهداف سياسية معينة دون إحداث صدمة كبيرة في أسعار الطاقة. من هنا يمكن فهم استمرار بعض الشحنات، أو وصول النفط إلى وجهات بعينها، ضمن سياق أوسع يوازن بين الضغط السياسي ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي.
الضربات المحدودة التي قد تستهدف منشآت أو مواقع ذات صلة بالطاقة تدخل في إطار الرسائل التكتيكية، التي تهدف إلى إعادة ضبط السلوك أو إرسال إشارات ردع، دون السعي إلى تعطيل شامل للإنتاج أو التصدير. هذا النمط من العمليات يعكس حرصًا على إبقاء التوتر ضمن حدود يمكن التحكم فيها، بحيث لا يتحول إلى مواجهة مفتوحة تؤثر على البنية الأساسية لسوق الطاقة.
في هذا السياق، تبدو العلاقات الدولية أكثر تعقيدًا من التصنيفات الثنائية. دولة قد تتخذ مواقف سياسية حادة في ملف معين، وتستمر في التعاون الاقتصادي في ملف آخر. هذا ليس ازدواجًا بقدر ما هو تعبير عن براغماتية تفرضها طبيعة المصالح المتشابكة. الطاقة، بحكم مركزيتها في الاقتصاد العالمي، تظل مجالًا يفرض قدرًا من الواقعية على صناع القرار.
خلاصة المشهد أن ما يبدو تناقضًا هو في حقيقته توازن دقيق بين التصعيد والاحتواء، بين الرسائل السياسية ومتطلبات السوق. العالم لا يعمل وفق منطق القطيعة الكاملة، بخاصة في ما يتعلق بالطاقة، حيث تتداخل المصالح بشكل يجعل الاستمرار هو الخيار الأكثر عقلانية للجميع. هذا التوازن، رغم هشاشته، يفسر كيف يمكن للتوتر أن يتصاعد، في حين تستمر ناقلات النفط في رحلتها عبر المضيق، حاملة معها ليس فقط الوقود، بل أيضًا معادلة دقيقة تحكم استقرار العالم المعاصر.