رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم صفوق الشمري: إنصاف القائد

هير نيوز

عندما ظهرت المراسلات بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وأمير منطقة عسير بشأن اختيار تصميم مطار أبها الجديد، بادر كثير من الناس بوضع شعار ولي العهد «السيفين والنخلة» كخلفية في حساباتهم الشخصية. قد يبدو هذا الأمر تفصيلًا رمزيًا، لكنه في جوهره يعكس مدى الشعبية الجارفة والارتباط العاطفي الكبير بين القيادة والشعب.

لكن من زاوية عملية ومهنية، فإن ما يستوقف النظر في هذه الحادثة ليس فقط البعد الرمزي، بل الكيفية التي حُسمت بها مسألة إستراتيجية تتطلب عادة شهورًا من الاجتماعات واللجان والمراسلات، في غضون دقائق معدودة. إن هذا المثال لا يقدم مجرد مشهد إداري، بل يرسخ مفهومًا جديدًا لإدارة الوقت؛ حيث تتجاوز القيادة البيروقراطية والمماطلة غير المجدية، لتقدم نموذجًا حيًا لإلغاء التعقيدات الإجرائية وتحويل القرار إلى فعل سريع وملموس. وهذا يفسر لماذا السعودية لا تسير بخطوات متدرجة فحسب، بل تقفز بخطوات عملاقة بسرعة تكاد تقارب «سرعة الضوء»، لتصبح أكبر ورشة بناء وتنمية في العالم.

نحن واثقون من أن هناك عشرات، بل مئات من القرارات والقصص التي جرى حسمها خلال فترة وجيزة وبأسلوب حازم واحترافي، بعدما كانت في الماضي تستغرق سنوات طويلة من المراسلات واللجان قبل اتخاذ القرار بشأنها.

إن المشاريع الكبرى التي كان اتخاذ القرار بشأنها يستغرق سنوات من المداولات، أصبحت اليوم تحسم خلال وقت قصير وعملي. هذه ليست مجرد شواهد عابرة، بل إشارات عميقة إلى أن الأمير محمد يعيد صياغة مفهوم القيادة والتنمية، ويختصر المسافة بين الفكرة والتنفيذ.

الأمير محمد بن سلمان أصبح بحق «شاغل الدنيا بالإنجاز»، وصاحب بصمات عالمية يتحدث عنها الشرق والغرب. وما يميز رؤيته أنه يقيس وقته بالدقائق لا بالأيام، إدراكًا منه أن العمر قصير مقارنة بضخامة الأهداف، وأن المسؤولية تستدعي استثمار كل لحظة لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإنجاز. ولعل هذه الرؤية تعكس عبارته الشهيرة حين سُئل عما يخشاه فقال: إنه يخشى ألا يتمكن من إنجاز كل ما يصبو إليه خلال حياته.

لقد قلتها سابقًا وأكررها: إنصاف الأمير لا يتطلب الإطناب في مدحه، بل يكفي أن نعدد إنجازاته على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية محليًا ودوليًا. فالأرقام والحقائق والنتائج هي الأقدر على الحديث عنه، وهي التي تقدم له الإنصاف الحقيقي.

ومع أن الصور الرمزية للأمير– مثل طيه لبشته تحت ذراعه– تحظى بإعجاب واسع وتداول شعبي كبير، إلا أن الأهم دائمًا هو الملفات العملاقة التي يحملها تحت ذراعه: الاقتصاد، التنمية، السياسات العالمية، والإستراتيجيات التي ترسم مستقبل المملكة. هذه هي الصورة الأعمق التي ينبغي التركيز عليها.

الأمير محمد يؤمن بلغة الأرقام، والابتكار، والسبق، والتفكير غير التقليدي، ويرفض الاكتفاء بما هو «جيد» أو «مقبول». فالمعيار عنده هو التميز المطلق. ولعل مثال افتتاح جزيرة سندالة خير دليل؛ فرغم أنها كانت على مستوى جيد يوازي معايير المنطقة، فإنها لم تصل إلى سقف التطلعات العالية التي وضعها ولي العهد. لقد تعامل مع الأمر بواقعية وشفافية، بعيدًا عن أي بروباغندا إعلامية، وهو ما يميز شخصيته القيادية: القدرة على تقييم المنجز بعيون ناقدة لا تنخدع بالزخم الإعلامي الخارجي. وهذا النهج يعيد إلى الأذهان رؤية جده المؤسس الملك عبدالعزيز– رحمه الله– وينطبق على الأمير وصف الشعراء بأنه القائد المحنك الذي يرى الأمور بعين ثاقبة من دون رتوش أو تأثير خارجي من أحد «أن اشهد أنه يا رياجيل رجال يلوي ولا تُلوى عليه الحبالي»!

من هنا، ومن باب الإنصاف والموضوعية، بدأت أفكر حاليًا في كتابة كتاب مختلف عن الأمير محمد بن سلمان، يحمل رؤية جديدة تختلف عن السرديات المحلية أو الكتب العالمية.

وسبب الاختلاف هذا يرتكز على خمسة عناصر رئيسية:

المنظور الخارجي: إقامتي خارج المملكة لما يقارب عقدين في عدة دول، جعلتني أرى التحولات السعودية بمنظار «العيون الجديدة»،fresh eyes القادر على رصد الفوارق بموضوعية وبزاوية لا يلتقطها من اعتاد المشهد من الداخل.

الجذور المحلية: في المقابل، نشأتي في الرياض منحتني فهمًا عميقًا للبنية الاجتماعية والثقافية والفكرية التي نشأ فيها الأمير محمد، بحكم أننا جميعًا عشنا في ظل قيادة الملك سلمان – أمير الرياض آنذاك – وتحت تأثير بيئته السياسية والإدارية.

الخبرة الأكاديمية: كتابة عدة رسائل دكتوراه في تخصصات مختلفة، والإشراف على رسائل عليا عديدة، منحنا خبرة في الدقة الأكاديمية والصرامة المنهجية. فمن يعرف الأبحاث الأكاديمية يدرك أن حتى الفاصلة والنقطة تخضع للتدقيق والتمحيص.

زاوية جديدة للعرض: هدفنا تقديم صورة مختلفة عن الأمير محمد، لا نجدها في كتب الأجانب الذين يجهلون البيئة المحلية وأسرارها ولا في كتب بعض الكُتّاب المحليين الذين يغلب على سردهم الطابع العاطفي أو الإنشائي. ما أطمح إليه هو مزيج من العمق التحليلي الأكاديمي، والقراءة الدولية المقارنة، والرؤية الواقعية الملموسة المدعومة بالأرقام.

لقد كتبنا عشرات المقالات عن الأمير محمد بن سلمان في مختلف المراحل؛ منذ انطلاقة الرؤية، مرورًا بفترة الحملات المضللة، وصولًا إلى مرحلة النجاح وترسيخ الإنجازات. كنا ولا زلنا نفخر بما قدمناه من دفاع موضوعي مبني على الحقائق، وحاولنا أن نعكس الصورة بلغة الأرقام، ومن زوايا متعددة، برؤية إستراتيجية وبخطاب عالمي قادر على أن يفهمه الجميع، وربما قد حان الوقت اليوم لكتابة كتاب شامل، يُصاغ بلغة جديدة وزوايا متعددة، ليكشف أبعادًا مختلفة من فكر وإستراتيجيات وعمل وإنجازات الأمير محمد بن سلمان، ويُبرز حجم التحول التاريخي الذي قاده برؤية واضحة وبصمة استثنائية.

إنصاف القائد إذن لا يكون بالخطابة، بل بإبراز إنجازاته بلغة الحقائق والتحليل الرصين، وهو ما يستحقه قائد استثنائي أعاد تعريف الإنجاز في زمن قصير.

نقلا عن الوطن السعودية

تم نسخ الرابط