بقلم مها عبدالله: جيل منهك والجميع يتظاهر بالقوة
لن أطيل في المقدمات؛ نحن أمام جيل يعيش أسوأ نسخته النفسية، ومع ذلك... يقف أمام العالم وكأنه لا ينكسر. جيل يتقن إخفاء أوجاعه، ويتفنن في صناعة واجهة صلبة من الخارج، بينما الداخل ينهار ببطء، بصمت، وبلا شهود.
نحن الجيل الذي يتلقى اللكمات واحدة تلو الأخرى: ضغوط العمل، وهم المستقبل، العلاقات المتصدعة، الفواتير التي لا ترحم، والخوف الدائم من أن نخسر كل شيء في لحظة. ومع ذلك، نبتسم. نردد: «الأمور تمام». نكتب عبارات القوة والثقة والاتزان، بينما الحقيقة أننا نبحث عن متنفس واحد لا يُطالبنا بالتماسك طوال الوقت.
في السنوات الأخيرة، تحولت القوة إلى استعراض، والنجاح إلى ماراثون لا ينتهي. الجميع يركض. الجميع يريد أن يثبت أنه بخير. لا أحد يعترف أنه متعب، لأن الاعتراف بالتعب أصبح يُشبه الاعتراف بالضعف. والضعف -بكل أسف-صار جريمة اجتماعية لا تُغتفر.
لذلك نتصرف وكأننا آلات، لا نتوقف، لا نرتاح، لا نبوح. نمارس واجب القوة بدل أن نعيش حقيقتها. نُخفي الانهيار بحجة «ما نبي نزعج أحد». نُحمل أنفسنا فوق طاقتها حتى لا نسقط من أعين الناس... حتى لو سقطنا داخلنا.
لقد أصبحنا نخاف من البوح أكثر من خوفنا من الألم ذاته، نُجامل الحياة، ونتجاهل التحذيرات، ونضحك على حزن نعرف جيدًا أن ثمنه سيظهر في صحتنا، نومنا، علاقاتنا، وقراراتنا. أصبح الإنهاك جزءًا من «المظهر الاجتماعي». ومن لا يتعب؟ يُتهم بأنه لا يعمل كفاية.
لكن المشكلة ليست في الإنهاك نفسه؛ المشكلة في أننا نعده معيارًا للنجاح. نكره الهشاشة لدرجة تجعلنا نرتدي القوة حتى وهي تؤذينا. نهرب من الراحة وكأنها ترف، بينما هي أساس البقاء.
أخيرًا.. إذا كان العالم يريد منا أن نتظاهر بالقوة؛ فلنمنح أنفسنا مساحة للضعف، على الأقل بيننا وبين أنفسنا. فالقناع لا يصنع إنسانًا قويًا... بل إنسانًا مؤجل الانكسار.