بقلم ماجد الجريوي: التقنية شاهد على خيانة الذاكرة
في أحد الأيام تعرضت لموقف ظننته عابرًا، لكنه ترك أثرًا عميقًا في تفكيري. انتهت بطارية هاتفي في وقت كنت بحاجة فيه إلى الاتصال بأحد الأقارب أو الأصدقاء على وجه السرعة. استوقفت أحد المارة وطلبت استخدام هاتفه، وما إن أمسكت به حتى وقفت عاجزًا؛ لم أستطع تذكّر أي رقم هاتف، رغم أن الأسماء كانت حاضرة في ذهني. لحظتها أدركت أنني أعتمد على هاتفي أكثر مما أعتمد على ذاكرتي. ولم يكن هذا الموقف استثناءً، فالكثير منا اليوم يستخدم خرائط «قوقل» ويعتمد عليها اعتمادًا كاملًا، حتى في الطرق التي يعرفها جيدًا، وكأننا فقدنا الثقة بقدرتنا على التذكّر والاستدلال حتى وإن بدأ الموضوع في بدايته لمعرفة الوقت.
لا شك أن التطور التقني الذي نعيشه اليوم يُعد من أعظم إنجازات العصر الحديث. فقد سهّل حياتنا، وقرّب المسافات، ووفّر الوقت والجهد في شتى مجالات الحياة. إلا أن لهذا التطور جانبًا سلبيًا لا يمكن تجاهله، يتمثل في تأثيره المباشر على قدراتنا الذهنية، وبخاصة الذاكرة. فالدماغ، كأي عضلة في الجسد، يحتاج إلى تمرين مستمر حتى يحافظ على نشاطه، لكن اعتمادنا المفرط على الأجهزة الإلكترونية جعله في حالة من الركود، لا يجد محفزات كافية لتنشيطه.
في الماضي كان الإنسان مضطرًا لحفظ أرقام الهواتف، ومعرفة الطرق، والاعتماد على ذاكرته في كثير من تفاصيل حياته اليومية. أما اليوم، فقلّما نجد من يحفظ رقمًا غير رقم هاتفه الشخصي، بل إن البعض ينسى حتى الرقم السري المكوّن من عدد محدود من الخانات، ويخطئ فيه مرارًا. هذه المظاهر قد تبدو بسيطة، لكنها تعكس خللًا أعمق في طريقة تعاملنا مع عقولنا وقدراتنا.
وإذا كان الجيل السابق أكثر عرضة للإصابة بأمراض مثل ألزهايمر نتيجة قلة تنشيط الذهن في مراحل متقدمة من العمر، فإنني أزعم أن جيلنا الحالي قد يكون أكثر عرضة لمختلف الاضطرابات العقلية في المستقبل، بسبب اعتماده الكلي على التقنية منذ سن مبكرة. فالتكنولوجيا، رغم فوائدها العظيمة، لا ينبغي أن تكون بديلًا عن التفكير، بل وسيلة مساعدة له.
ختامًا، لا يمكننا ولا ينبغي لنا التخلي عن التقنية، لكنها تحتاج إلى استخدام واعٍ ومتوازن. علينا أن نعيد تدريب عقولنا على الحفظ، والتفكير، والاستنتاج، حتى لا نصبح أسرى لأجهزتنا، ونفقد مع الوقت أبسط قدراتنا الذهنية.