إمبراطورية من القمامة.. كيف أصبحت يسرية لوزة أغنى سيدة في تاريخ مصر؟
ليست كل الثروات أرقامًا تُسجَّل في دفاتر البنوك، فبعضها يُقاس بما يتركه الإنسان خلفه من أثر. وفي تاريخ مصر الحديث، تبرز السيدة يسرية لوزة كواحدة من أكثر السيدات تأثيرًا، ليس فقط بسبب ثروتها الضخمة، بل لأن رحلتها جمعت بين الإيمان، والعمل، والمسؤولية الاجتماعية، لتصبح نموذجًا نادرًا للثراء المرتبط بالإنسان.
وُلدت يسرية لوزة في 31 ديسمبر عام 1935 بمدينة منفلوط بمحافظة أسيوط، لأسرة صعيدية عريقة، كان والدها يعمل محاميًا. نشأت على القيم الصارمة لأهل الصعيد، وكان الإيمان والصلاة حجر الأساس في حياتها، وظلت هذه القيم حاضرة معها طوال 91 عامًا من العطاء.
تعرفت على أنسي ساويرس في أواخر عام 1952، في زواج تقليدي رشحه صديق عمره فتحي جورج. ورغم أن الزواج بدأ كـ«جواز صالونات»، إلا أنه تحوّل إلى قصة حب حقيقية وشراكة عمر، حتى قال عنها أنسي ساويرس: «يسرية… أجمل صفقة في حياتي».
عاشت الأسرة في سوهاج ثم أسيوط، قبل الانتقال إلى القاهرة عام 1956. ولم تطلب يسرية من زوجها سوى استكمال تعليمها والحصول على شهادة جامعية، إيمانًا منها بأن العلم هو السند الحقيقي للمرأة.
من الشدة إلى الإمبراطورية
مع قرارات التأميم في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، فقدت الأسرة معظم ما تملك، واضطر أنسي ساويرس للسفر إلى ليبيا بحثًا عن لقمة العيش. في تلك الفترة الصعبة، تحمّلت يسرية المسؤولية كاملة، وربّت أبناءها الثلاثة: نجيب، سميح، وناصف.
حرصت على تنشئتهم على الخوف من الله، والصدق، والاجتهاد، واحترام الإنسان أيًا كان دينه أو طبقته. وكانت تصطحبهم للصلاة بانتظام، وتغرس فيهم قيمًا إنسانية قبل أي طموح مادي. هؤلاء الأبناء أصبحوا لاحقًا أغنى ثلاثة رجال في تاريخ مصر الحديث.
عاد أنسي ساويرس إلى مصر، وبدأ من جديد في تأسيس الإمبراطورية الاقتصادية لعائلة ساويرس، بينما قررت يسرية أن يكون لها طريقها الخاص، بعيدًا عن كونها زوجة رجل أعمال أو أم لأبناء أثرياء.
ثروة من القمامة… ورسالة حياة
في خطوة جريئة، اختارت يسرية لوزة العمل في جمع وتدوير القمامة، ليس فقط كمشروع اقتصادي، بل كمبادرة لتغيير حياة عشرات الآلاف من جامعي القمامة. بدأت العمل من أرض الواقع، وتحولت تدريجيًا إلى واحدة من أكبر الأسماء في هذا المجال، حتى أصبح حي الزبالين في القاهرة بمثابة مملكتها الخاصة، وكان الجميع ينادونها بلقب واحد: «الهانم».
أسست شركة «ارتقاء»، وأنشأت مصانع متعددة لتدوير المخلفات، وإنتاج السماد، والطوب، والبلاستيك، والحُليّ والأنتيكات من المخلفات، كما صدّرت ناتج هذه الصناعات إلى دول عدة على رأسها الصين. وبلغ عدد العاملين معها عشرات الآلاف من الرجال والنساء.
ورغم أن ثروتها تُقدَّر بالمليارات، فإن الجزء الأكبر منها وُجّه للأعمال الخيرية؛ فقد تبرعت بأكثر من 25 مليون جنيه لمستشفى جامعة المنصورة، وساهمت بـ100 ألف جنيه لكل مريض فقير يحتاج إلى زراعة كبد، دون تمييز بين مسلم أو مسيحي. كما أنشأت مطعمًا لإطعام الفقراء، ومدرسة ومستشفى لأبناء العاملين بحي الزبالين، وساهمت في علاج أكثر من 20 ألف مريض فيروس سي.
وعلى الرغم من حصولها على العديد من الجوائز المحلية والدولية، كانت السيدة يسرية لوزة تردد دائمًا: «أنا خايفة الجوايز دي تقلل رصيدي في السما».
هي ليست مجرد سيدة أعمال، ولا فقط زوجة رجل اقتصادي كبير، بل امرأة آمنت بأن المال وسيلة للخير لا غاية، فصنعت ثروة، وبنت إنسانًا، وكتبت اسمها في سجل العطاء الإنساني قبل أي سجل آخر.