بقلم مريم النويمي: ما لا يقال في العيادة
العيادة هي المكان الذي يذهب إليه المرضى والأصحاء، للعلاج والمتابعة أو للاطمئنان، هي ليست مجرد غرفة، بل هي مساحة إنسانية، يدخلها المراجعون يُخفون في قلوبهم أكثر مما يُظهرون، وعلى الطبيب أن يقرأ، يشعر ويعرف الباطن والظاهر، ليس سحرًا بل هبة إلهية يهبها الله لمن يشاء، أولئك الذين أخذوا على عاتقهم مهمة إحياء النفس، ودفع الضرر، العلاقة بين المريض وطبيبه، ليست عابرة بين شخص يطلب خدمة وآخر يقدمها، بل هي علاقة مبنية على قدر كبير من الفهم والثقة، في العيادة، لا يكون المرض دائمًا هو القضية الوحيدة، فالمريض يأتي أحيانًا وهو يبحث عمن يفهمه، قبل وصف العلاج، هو لا يتوهم، كما قال له من حوله، بل يتوجع من الداخل، لكن يُعجزه الوصف، ويفشل في إيصال الشكوى، يرتاح للطمأنينة على وجه طبيبه، للاحترام في تعامله، وللتفسير في كلماته.
المصطلحات الطبية الجافة قد تشرح الحالة، لكنها لا تداوي خوف الإنسان، الطبيب الذي يجمع بين المعرفة والحكمة، يخفف الألم حتى قبل أن يبدأ العلاج، حين يشرح الطبيب لمريضه بوضوح، ويصغي له باهتمام، ويمنحه فرصة للسؤال، فإنه لا يرفع جودة العلاج فقط، بل يعزز ثقته فيه. المريض لا يتذكر دائمًا أسماء الأدوية، لكنه يتذكر كيف عامله طبيبه، هل استمع إليه أم قاطعه، هل احترم خوفه أم سخر من قلقه، هل نظر إليه كإنسان أم كرقم في قائمة المرضى.
في العيادة، لا تُقال كل الأشياء، هناك جمل تُنطق، وأخرى تُبتلع، ونظرات تعجز أن تعبر، المريض لا يأتي فقط بأعراضه، بل يأتي محمّلًا بشيء أعمق، خوفٌ لا يعرف كيف يشرحه، قلقٌ يخجل أن يعترف به، وأحيانًا حكاية طويلة اختصرها في جملة (أنا تعبان يا دكتور)، ولا يكون التعب دائمًا في الجسد.
هناك أمور لا يمكن قولها بسهولة، أسئلة لا تُطرح، وكلمات لا تُقال، المريض يظل يلقي أسئلة صغيرة، متحايلًا على سؤاله الأكبر، (هل الحالة خطيرة؟)، والطبيب ربما يختار أن يصمت، لأن التشخيص لم يتأكد بعد، وإن كان حسب خبرته أنه الاحتمال الأكثر. في العيادة، الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، نظرات عين، طريقة جلوس، تردد في الإجابة، كلها تشخيصات لا تُكتب في الملف، لكنها تؤثر في القرار الطبي ومسار العلاج. في العيادة، الخوف له ألف شكل، قد يأتي في هيئة ألم، صداع، أو تعب مزمن، لكن خلف كل ذلك، تساؤل واحد لا يُقال صراحةً، ( هل أنا بخير!). في إحدى عيادات الباطنة، دخل رجل في منتصف الأربعينات، اشتكى من ألم خفيف في صدره، الفحوصات كانت مطمئنة، الأعراض غير مقلقة، لكن نبرة صوته قلقة، لم يتحدث عن ألم حقيقي، بل عن ظنون تساوره، (دكتور، زميلي مات الأسبوع الماضي، بنفس الأعراض)! الألم لم يكن عضويًا، بل هو خوف، فبعض الأشخاص لا يأتون للطبيب لأنهم مرضى، بل لأنهم خائفون أن يصبحوا كذلك، بعض المرضى، يبدؤون الحزن، قبل التشخيص، يعيشون احتمالات المرض، ويتوهمون النهاية، يأتون للعيادة يحملون كثيرًا من الأمراض في مخيلتهم، أحيانًا لا يشاركون الطبيب مخاوفهم، ويكتفون بالسؤال عن نتيجة التحاليل لعلها تطمئنهم.
دخلت شابة لا تتجاوز الثلاثين من عمرها، لعيادة طبيب الأسرة، وطلبت دواء يقويها، لأنها تشعر بوهنٍ كسيدة في الستين، فحصها كان طبيعيًا، وبعد سلسلة من الأسئلة قالت، (أنا تعبانة من كل شيء)، كانت تحتاج لمساحة تُسمع فيها. أحيانًا العيادة هي المكان الوحيد الذي يجد فيه الإنسان من يسمعه باهتمام.
الطبيب أيضًا لا يقول كل شيء، يعرف أحيانًا أن الوضع غير مطمئن، فيختار كلماته بعناية، يتحرى فيها الصدق واللطف، ليوازن بين العلم والإنسانية.
العيادة، ليست مكانًا يقتصر على التشخيص والعلاج، بل تُكشف فيه هشاشة الإنسان، وأفضل الأطباء ليسوا من يشخصون بدقة، بل من يسمعون ما لا يُقال، من يرون ما خلف الأعراض، ويعرفون مغزى الكلمات، معرفة ما لم يقله المريض، هو ما يجعل الطب أكثر من مجرد مهنة، بل تجربة إنسانية عميقة.