بقلم أحمد صالح حلبي : ابن أبي ربيعة "زعيم الغزلين"
في عام 23 هــ وتحديدا في الليلة التي توفي فيها الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ولد في مكة المكرمة عمر بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي القرشي ، لذلك قال البعض : " زهق الحق بموت ابن الخطاب ، وظهر الباطل بولادة ابن أبي ربيعة " ، فيما قال آخرون : " زهق الحق وظهر الباطل لشعر ابن أبي ربيعة المتحرر ، وتقى ابن الخطاب " .
وابن أبي ربيعة عاش اليتم من صغره بعد وفاة والده فنشأ في أحضان أمه ، مما جعله مختلطا بالنساء والجواري ، وظهر ثراء والده فيما تركه له من أموال وأملاك جعلته يعيش حياة الرفاهية .
وكنى ابن ابي ربيعة بأي الخطَّاب ، وأبا حفص ، وأبا بشر ، ولقب بالعاشق لكونه الشاعر المشهور في العزل بقريش ولا يوجد بها أشعر منه ، غير أن شعره لم يكن شعرا غزليا عفيفا ، وهذا ما جعله يلقب بالعاشق ، فشعر الغزل لديه شعر فاضح يصف فيه مفاتن المرأة الجسديّة ، " ويقال أن شعراء هذا النوع لا يستقرّون على محبوبةٍ أو امرأة واحدة " .
ويقال أن قوة شعره الغزلي الفاضح كان سببا في جعل الناس يقولون أن الحق زهق الحق بموت ابن الخطاب ، والباطل ظهر بولادة ابن أبي ربيعة .
وامتاز شعر عمر " بقدرته على وصف المرأة وعواطفها ونفسيتها وهواجسها وانفعالاتها وميلها إلى الحب والغرام وكل ما يتعلق فيها وبجمالها وحسنها والتعبير الجاذب لها حتى قيل ما من امرأة لاحظت عمر بن أبي ربيعة يتقرب منها ويصف لواعج حبه لها إلا وقعت في شراك حبه " ، ووصفه السيد فالح الحجية الشاعر العراقي المعروف في كتابه (الموجز في الشعر العربي) ، بالشخصية المتميزة بالغرور ، والمعشوق لا العاشق للنساء ، وهذا ما نراه في قول ابن أبي ربيعه عن نفسه :
قالت الكبرى أتعرفن الفتى؟ قالت الوسطى نعم هذا عمر
قالت الصغرى وقد تيمتها قد عرفناه وهل يخفى القمر
وكان بن ابي ربيعة شخصا " مستغلا لموسم الحج إذ يرى أنه فرصة للتحرش بالنساء الجميلات ، فيعتمر ويلبس الحلل والوشي ويركب النجائب المخضوبة بالحناء عليها القطوع والديباج. ويلقى الحاجّات من الشام والمدينة والعراق فيتعرف إليهن ، وقال متمنيا أن يكون موسم الحج مستمرا طوال أيام السنة:
ليت ذا الدهر كان حتما علينا كل يومين حجة واعتمارا
ومن خصائص شِعر عمر بن أبي ربيعة السّرد من خلال تقديم الأحداث بشكل تسلسُليّ مُترابط ، ومُتناغم في نفس الوقت ، مما ساهم في رُقيِّ شِعره .
وسأله الخليفة الأموي السابع، سليمان بن عبد الملك بن مروان ، "ما يمنعك من مدحنا؟ " .
فأجابه: «أنا لا أمدح إلا النساء».
ويقال أنه رُفع أمر تعرضه للنساء والتشبب بهن، إلى عمر بن عبد العزيز ، فنفاه إلى أرخبيل دهلك وهو تجمع جزر تقع في البحر الأحمر قبالة مدينة مصوع ، ويضم أكثر من مائة جزيرة ، وعندما تقدم به السن، أقلع عن اللهو والمجون وذكر النساء وتوفي عام 93 هـ عن عمر بلغ السبعين عاما .
يُعد عمر بن أبي ربيعة رائد الغزل الصريح والحضري في الشعر العربي القديم ، وهو من " نقل الغزل من الغنائية الذاتية إلى القصة والحوار الدرامي ، فقصائده تشبه الحكايات المشهدية ، حيث يسرد مغامراته العاطفية، مستخدمًا الحوار الدقيق الذي يكشف خلجات نفسية نسوية (على لسان النساء).خفة اللفظ وعذوبة الأسلوب " ، و " أخذ عليه بعض المعاصرين (مثل كثير عزة) والمؤرخين أنه لا يتغزل بالمرأة لذاتها فقط، بل يتخذها وسيلة للتغزل بنفسه، والإشادة بجماله، ومكانته، وثرائه، حيث يظهر دائمًا في دور "المعشوق" المحبوب الذي تتهافت عليه النساء " .
ووصفه الأديب والناقد المصري ، وعميد الأدب العربي الأستاذ / طه حسين بـ "زعيم الغزلين"، مشيداً بقدرته على تصوير الوجدان النسوي "
كما يعتبر ابن أبي ربيعة من زعماء فن التغزل في زمانه ، وواحداً من الشعراء الذين أعطوا القصيدة الغزلية ميزات فنية مما جعلها صالحة للغناء ، لذلك لا غرابة حينما نسمع الفنانين يتغنون بقصائده كالراحل طلال مداح ، ومحمد عبده ، واللذان غناء قصيدته
( قف بالطواف ) والتي تقول كلماتها :
قف بالطواف ترى الغزال المحرما
حج الحجيج وعاد يقصد زمزما
عند الطواف رأيتها متلثمه
للركن والحجر المعظم يلثما
أقسمت بالبيت العتيق لتخبري
من انت قالت من سلالة أدما
الاسم سلمى والمنازل مكة
والدار ما بين الحجول وغيلما
قلت عديني موعداً أحظى به
وأقضي به ما قد قضاه المحرما
فتبسمت خجلاً وقالت يا فتى
أفسدت حجك يا محل المحرما
فتحرك الركن اليماني خشية
وبكى الحطيم وجاوبته زمزما
لو أن بيت الله كلّم عاشقاً
من قبل هذا كاد أن يتكلما
كما غنت له فيروز " ولا قرب نعم " التي تقول كلماتها :
ولا قرب نعم إن دنت لك نافع ولا نأيها يثني ولا أنت تصبر
إذا جئت فأمنح طرف عينيك غيرنا لكي يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
[email protected] @ashalabi1380