رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم أحمد صالح حلبي: لصوص الماضي محترمون .. ولصوص الحاضر خائنون

هير نيوز

يعرف اللص بأنه السارق ، وهو من يأخذ مال غيره خفية أو بطرق وأساليب محرمة ، وعادة ما يلجأ اللصوص للسرقة ليلا وفي الخفاء حتى لا يراهم أحد ، كما أن هناك لصوص طرق ، وهم الذين تحدث عنهم الرحالة والمؤرخون في الكثير من المواضع . 
وللصوص مواقف وأحداث دونت بكتب التراث ، منها ما نقل عن جلوس " الإمام أحمد بن حنبل في سجنه مع بعض المجرمين، وكان من بينهم لص شهير، وكان هذا اللص يحترم ابن حنبل ويُشفق عليه في محنته، وكثيرًا ما هرّب له طعامًا طيبًا من خارج السجن، وذات يوم لاحظ اللص أنّ ابن حنبل يتألم من جراح التعذيب الكثيرة.
فمال عليه اللص وهمس بأذنه قائلا: إنهم يعذبونك أليس كذلك؟، ولكن لعلمك يا مولانا كثيرًا ما عذبوني لأعترف لهم بما سرقت؛ ولكننّي كنت رجلا ولم أعترف أبدًا، كنت أحتمل الضرب صابرًا، أفعل هذا وأنا أعرف أنني على الباطل!، فكيف بك وأنت على الحق؟!.
إياك يا مولانا أن تضعف!، يجب ألاّ يكون رجال الحق أقل احتمالا من رجال الباطل، واستمر ابن حنبل يقاوم وكلما ضعُف تذكر كلمات اللص، وظل الإمام سنوات في محنته ثابتا كالجبل، وانهزمت الدولة كلها أمام رجل واحد، وخمدت الفتنه وتوقفت إراقة الدماء.
وأُفرِج عن ابن حنبل، فمكث في بيته يُعالج من جراحه، ثم تذكر صاحبه اللص، فسأل عنه فقيل له إنه مات، فذهب يزور قبره ودعا له، ثم شاهده في المنام بالجنة فسأله: ما الذي أدخلك الجنة؟، قال: تاب الله عليّ بعد أن نصحتك أن تحتمل العذاب في سبيل إعلاء كلمة الله.! "

وروي عن لص صيني تم سجنه وأراد الخروج من السجن ، وبأمر الحاكم فلجأ لحيلة تمكنه من لقاء الحاكم ، فإدعى أن لديه " هدية ثمينة ومبتكرة، وعندما مَثَل أمام الحاكم  أخرج من جيبه نواة كمثرى، وأقنع الحاكم  بأنها نواة سحرية بشرط أن يزرعها رجل أمين صادق لم يسبق له السرقة أو الكذب ، فعرف الحاكم  أنه ذكي ويريد الاستهزاء به ، لأن المدينة مليئة باللصوص والكذابين  ، فعفا عنه وأطلق سراحه "  .
وهناك قصة أدهم بن عسقلة ، زعيم اللصوص في عهد الدولة العباسية ، والذي أوصى أتباعه عند اقتراب أجله ، بوصية قال فيها : "لا تسرقوا امرأة، ولا فقيرا، ولا جارا. وإذا دخلتم بيتا، فاسرقوا نصفه واتركوا النصف الآخر لأهله ليعيشوا منه، ولا تكونوا أنذالا، ولا ظلمة، ولا قتلة."
واليوم وبعد قرون مضت جاء من يحلل الوصية بقوله : إن من " أبرز سمات هذه الوصية هي تحديد "خط أحمر" أخلاقي يمنع التعرض للنساء والفقراء والجيران. وفي هذا إشارة واضحة إلى بقايا ضمير حي لدى هذا اللص، وحرص على عدم هدم العلاقات المجتمعية بالكامل " .
و " طلبه ألا يُنهب البيت بالكامل، بل يُترك نصفه لأصحابه! وهو ما يعكس نوعا من "العدالة المشروطة" في قلب الفعل الإجرامي، تُظهر إدراكه لخطورة الفقر والخراب الكامل على العائلات " .
وتوصيته لأتباعه " بألا يكونوا ظلمة أو قتلة، مما يؤكد أن سلوك أدهم لم يكن مبنيًا على العنف الدموي، بل على التحايل والتسلل والخفة. في زمن كان العنف فيه شائعًا، جاءت وصيته بمثابة نداء مختلف " .
ومن طرائف لصوص العرب " ما جاء في كتاب «بهجة النفوس والأحداق» للشعراني أن بعض اللصوص قال: ما سرقتُ جاراً وإن كان عدوّاً لي، ولا كريماً، ولا امرأة، ولا بيتاً ليس فيه رجل، ولا قابلتُ غادراً بغدره.
وأوصى لص تلميذه ألا يسرق أصحاب البضائع الصغيرة التي تقل قيمتها عن ألف درهم.
وأوصى لص ابنه المستجِدّ في اللصوصية: اسرق من تشاء، لكن لا تسرق مَن شربتَ ماء بيته، أو ألقيتَ عليه السلام ورَدَّ عليك " .
" وفي «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني أن لصّاً قال: ما سرقتُ جاراً، ولا كريماً، ولا كافأتُ غادراً بغدره، وقال أيضاً يوصي أصحابَه اللصوص: لا تسرقوا الجيران، واتَّقُوا الحُرَم.
واعترض لصوص رجلاً في طريق سفر، فأخذوا ما معه من مال وطعام، ثم جلس اللصوص يأكلون، ولم يشاركهم كبيرُهم الأكلَ، بل قام يصلي، فسأله الرجلُ المسروق: ما لي لا أراك تأكل معهم؟
قال: إني صائم!
فتعجب الرجل المسروق، وسأله: كيف تصوم وتصلي وأنت تَسرِق الناس، وتُرَوِّعُهم؟
قال: إني أترك باباً بيني وبين الله لعلي أدخل منه إلى الجَنّة.
قال الرجل المسروق: بعد عامين رأيتُ كبير اللصوص في الحَجّ عند الكعبة، فعَرَفتُه وعَرَفَني، وقلتُ له: أنجاكَ البابُ الذي بينكَ وبين الله " .
تلك كانت أخلاق لصوص الماضي ، أما لصوص الحاضر فلا أخلاق لهم  يستغلون مناصبهم  ونفوذهم  ليسرقوا من المال العام والخاص ما يشاؤون ، ولا ينظروا صوب أرملة بحاجة لمال يسد جوعها ويستر عورتها ، ولا لطفل يتيم تنسكب أدمعه من ألم الجوع والعطش . 
كما أنهم ليسوا سارقين فقط ، بل خائنون وخيانتهم تأتي من بعضهم لبعض ، فينقضون العهود والمواثيق التي اتفقوا عليها ، ويحلفون أمام الناس بالله كذبا ، ويدعون الأمانة وهم لها خائنون  . 
فلصوص الحاضر  لا يملكون من الأخلاق ما يجعلنا نقول عنهم لصوص شرفاء كلصوص الماضي الذين حفظت الكتب مواقفهم  .
وصدق الفرزدق حينما قال : 
هُوَ اللِّصُّ وَابْنُ اللِّصِّ لا لِصَّ مِثْلُهُ
لِنَقْبِ جِدَارٍ أَوْ لِطَرِّ الدَّرَاهِمِ
[email protected]     

@ashalabi1380

تم نسخ الرابط