رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم الدكتورة معزي يسرى: حين تتحول المعاناة النفسية إلى أمراض جسدية.. هل الجسد يتكلم حين تصمت النفس؟

مقالات هير نيوز
مقالات هير نيوز

لم يعد الجسد في الطب الحديث يفهم ككيان منفصل عن النفس، بل كمرآة تعكس ما يعيشه الإنسان من صراعات داخلية وضغوط نفسية قد لا تجد طريقها إلى التعبير بالكلام، فالمعاناة النفسية حين تكبت لا تختفي، بل تتحول مع الوقت إلى أعراض جسدية حقيقية تؤلم صاحبها وتربكه.

كثير من الأشخاص يعانون من صداع مزمن، آلام في المعدة، اضطرابات القولون، خفقان القلب أو آلام عضلية، دون أن تكشف الفحوصات الطبية عن سبب عضوي واضح، في مثل هذه الحالات لا يكون الجسد يتوهم، بل المرض يعبر عنه بلغة بيولوجية، نتيجة توتر نفسي طويل الأمد أو ضغط عاطفي غير معالج مستمر.
يعتبر كل من القلق، الاكتئاب، الصدمات النفسية، والإجهاد المزمن تؤثر مباشرة في الجهاز العصبي والهرموني والمناعي، ما يؤدي إلى اختلال التوازن الداخلي للجسم وظهور ما يعرف بالأمراض النفسجسمية.
فكيف تتحول النفس إلى عامل مرضي؟
عندما يعيش الإنسان في حالة توتر دائم، يفرز الجسم كميات مرتفعة من هرمونات الضغط، مثل الكورتيزول، ما يؤثر سلبا على المناعة، الهضم، النوم، وضغط الدم، ومع مرور الوقت، يصبح الجسد أقل قدرة على المقاومة، فتظهر أعراض جسدية مثل:
الصداع المتكرر، واضطرابات النوم، وآلاف في الرقبة والكتف والظهر، والتعب المزمن، ولارهاق بدون سبب…
هذه الأعراض ليست وهمية، بل هي استجابة فسيولوجية لمعاناة نفسية مستمرة.
الاكتئاب لا يظهر دائما في شكل حزن أو بكاء، بل قد يتخفى وراء تعب دائم، وثقل في الجسد، فقدان الطاقة، واضطرابات جسدية متفرقة، وخفتات في القلب، وضيق التنفس وألام في الصدر والدوخة، والم الرقبة والأكتاف سبب نفسي عميق لا يحمل ثقل نفسي ويريد التغيير لكنه لا يستطيع، والم الركب يحمل الم المسؤولية العميقة التي يشعر بها دون وجود سند، وألم الظهر عند الأنثى يعتبر انه المرأة غير قادرة على دور مسؤوليتها الكاملة اتجاه أسرتها، فالكثير من المعانات النفسية لها علاقة بالمرض الجسدي و هذا ما يدفع المصاب إلى التنقل بين العيادات الطبية دون الوصول إلى تشخيص واضح.

العلاقة بين النفس والجسد

ليست في اتجاه واحد فقط، فالإصابة بمرض جسدي مزمن قد تؤدي بدورها إلى اضطرابات نفسية، مثل القلق والاكتئاب، نتيجة الألم المستمر، الخوف من المستقبل، أو تغير نمط الحياة، وهكذا يدخل المريض في حلقة مفرغة يتغذى فيها الألم النفسي والجسدي على بعضهما البعض.

العلاج يبدأ من النظرة الشمولية

الخطأ الشائع هو الفصل التام بين العلاج الجسدي والعلاج النفسي، فالتعامل الحقيقي مع هذه الحالات يتطلب رؤية شمولية تأخذ بعين الاعتبار الجوانب النفسية والاجتماعية إلى جانب الجانب العضوي، وقد أثبت العلاج النفسي، خاصة العلاج المعرفي السلوكي، فعاليته في التخفيف من أعراض جسدية كثيرة وتحسين جودة حياة المرضى.

كسر الوصمة… خطوة نحو الشفاء

ما زالت بعض المجتمعات تنظر إلى العلاج النفسي نظرة سلبية، معتبرة إياه دليل ضعف، في حين أنه في الحقيقة دليل وعي ومسؤولية تجاه الذات، فزيارة الأخصائي النفسي وتشخيص مبكر سليم لا تعني أن الشخص يعتبر مريض نفسي بل تعني أنه قرر فهم معاناته والتعامل معها بطريقة صحية.

الصحة توازن لا انفصال

الصحة الحقيقية لا تتحقق إلا بتوازن النفس والجسد معا، فلا جسد معافى دون نفس مطمئنة، ولا نفس مستقرة في جسد منهك وحين نصغي جيدا لرسائل الجسد، قد نكتشف أن الألم ليس عدوا لنا بل نداء صامتا لفهم أعمق لأنفسنا.

تم نسخ الرابط