بقلم أنس الرشيد: حكيم في محطة سفر
«أنا لا أقتل الحيوانات لأني جاهل»، هذه مقولة سمعتُها من شيخٍ على طريقِ سفر، وهي مقولة مدهشة وغريبة، وقد اقتنصتُ فرصةً لأحدثه، إذ لم أستطع أن أُمِرّها كما جاءت فالفضول في رحاب المدهشين يقتلني. ألقيتُ عليه تحيةً من هويته وشكله بحسب ما اعتقدتُ أنَّها فاتحةُ كلام بيننا، ردَّ عليَّ التحية بأفضل من شكلي وهويتي. قلتُ له: سمعتُ مقالتك عن الفار الذي اختبأ تحت (دواليب) البقالة، ولم أفهمها، فهلّا شرحتها لي؟ قال: اسمع يا (خالي) -ولا أدري لماذا قال خالي، هل لأنه ظنَّ أني خالي البال أم هو نداء مستخدم في لهجته؟ - أغلب الذين أقابلهم يُبررون عدم قتلهم للحيوانات بالرحمة، وقد تجد بعضَ الرخوم يُبررونها بالحب، وربما أنتَ منهم، قلتُ «تقريبا...!» قال: أنا لم أفهم ما معنى أن ترحم قطّا أو فارا أو حتى صرصارا، لأنَّ الرحمة الحقيقية تتطلب علمًا ومعرفة، أمَّا رحمة المشاعر فهي جهل بشيءٍ ما. فلو سألتك يا غرّ-وهذه أخفّ سبّة سبني إياها- لماذا ترحم الصرصار فماذا ستقول؟ قلتُ أنا لا أرحمه، وكثيرًا ما يتّمت أولاد الصراصير ورمّلتُ نساءهم. ابتسم ابتسامةً مسروقة من شبابه فهي بلا لون ولا طعم، وقال: حسنًا أي الحيوانات ترحمها من القتل؟ قلتُ: القطة، قال: «لماذا ترحمها»؟ قلتُ لأنَّ وجه القطة جميل يُشبه وجه النساء، ألا تراهم ينادون الفتاة الحسناء بالقطّة؟ تمعّر وجه الشيخ وشعرتُ أنه ندم على أن (أعطاني وجهًا). قال: اسمع يا ظريف: المشاعر اللطيفة تجاه الحيوان مردها الجهل به، لهذا فالقساة يقتلون صديقتك القطة بدم بارد لأنهم بلا لُطف. وأنا لم أقتل الفارة لأني جاهل بها وبحياتها وليس لأني أرحمها، فادعاء الرحمة مطلب إلهي. نعم أنا أجهل إن كانت النملة تحلم حين تنام، وأجهل إن كانت البقرة ترى العشب أخضر، وأجهل إن كانت السمكة تدرك الماء الذي تعيش فيه فضلا عن غيره، ولا أدري إذا حدّقت صديقتُك القطة بالجدار علام تُحدق؟ جهلي هذا – يا مدّعي الرحمة والحب- احترام لحدود الإدراك ليس أكثر، وكلما لاحظتُ الحيوانات أكثر زاد جهلي بها، قاطعتُه قائلًا: هل قرأتَ كتاب الحيوان للشيخ الأكبر الجاحظ؟ فقال: «لا، ولا أريد» قلتُ: وماذا عن هايدغر وحيوانه؟ غضب الشيخ وقال: «كيف تخلط عباسًا بدبّاس يا جاهل» وعجبتُ: هل وصفه لي بالجهل مدح؟ إنما أردتُ بسؤالي أن أضرب قولَه الهادر بحيوانِ شيخين جليلين هما الجاحظ وهايدغر. المهم أنَّه أكمل قائلًا: هل تذكر قولَ القائل: «إذا رأيت نيوب الليث بارزة/ فلا تظنن أنَّ الليث يبتسم»؟ لقد رأيتُ نيوبَ الذئب ولا أدري هل كان يضحك مني؛ لأني كنتُ -وأنا وحيدًا في البر- على حالةٍ مضحكة؟ أم هو يتخيلني بوضعيةٍ شهيّة وهو يفترسني؟ هل كان مترددًا من الهجوم عليَّ لأنه توقَّع أنَّ لدي أطفالا ينتظرون عودتي؟ حسنًا يا رحيم: حين ترحم الفراشة هل أنت متأكد أنَّها تتألم حين تسحقها؟ من منحكَ التفوقَ الأخلاقي لتحكم على أنَّ وعي النسر وهو يُحلّق أقل تعقيدًا من وعي الفيلسوف وهو يُفكّر؟ وما أدراك لعلَّ النسر يعرف شيئًا عن الجاذبية لم يعرفاه نيوتن وأينشتاين. أنتَ حين تقتل الفار تتصرف تصرف العارفين بلسان حال: «أعرفُ أنَّ هذا الكائن بلا وعي وبلا ألم وبلا قصة يرويها»، وأنت حين ترحم حيوانًا تُحيل ذلك إلى رحمتك، فقاتلك الله يا غر.
لمَّا انتهى من محاضرته ابتسمتُ وشكرته بعددِ السبّات التي وهبني إياها، حتى رأيتُ احمرار وجنتيه خجلًا فاعتذر مني، ولكنّي قلتُ له: «لا تعتذر عمَّا فعلت»، ثم صافحته ومضى كلٌّ في طريق.
التفاتة:
يقال إنَّ كتب بشر بن غياث المريسي كلها ضاعت إلا إجاباته عن خلق القرآن، وقد بقيت هذه الإجابات في كتاب الحيوان للجاحظ.