بقلم فاطمة المزيني: بيعة التحولات الكبرى
في مثل هذا اليوم من العام 1437هـ. بويع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بولاية العهد، تلك لحظة استثنائية غيرت مسار التاريخ. تمثل البيعة في الوعي السعودي علاقة ثقة متبادلة بين القيادة والشعب قائمة على مفهوم المسؤولية المشتركة في بناء الوطن. وقد كانت البيعة لسمو ولي العهد تأكيدًا لهذه الثقة، ثم أصبحت اليوم نموذجًا فارقًا أعادت السعودية من خلاله تصميم علاقتها بذاتها وبالعالم.
جاء الأمير محمد بن سلمان للسعوديين وهو يحمل مشروعًا حضاريًا كبيرًا يلائم واقعهم وتطلعاتهم، جسدته «رؤية السعودية 2030» بكل تجلياتها الاقتصادية والسياسية والثقافية والإنسانية.
قامت الرؤية 2030 على نقل الاقتصاد من الاعتماد الأحادي إلى التنوع، وبناء قطاعات جديدة في الصناعة والسياحة والتقنية والثقافة، كما لم تغفل الاعتبار الأهم وهو الإنسان السعودي الذي يؤكد ولي العهد دائمًا أنه يعتبره المورد الأول والأهم في معادلة التنمية.
اللافت في تجربة التحول التي هندسها ولي العهد أنها لم تعتمد الإصلاح التدريجي البطيء، بل اختارت نموذج التحول السريع المدروس.
لقد سعى الأمير إلى امتلاك القدرة على تحويل الموارد الطبيعية إلى قوة اقتصادية ومعرفية مستدامة. وفي سنوات قليلة ظهرت مشاريع عملاقة طورت الاقتصاد الوطني، كما توسعت الاستثمارات في قطاعات لم تكن جزءًا من الاقتصاد السعودي التقليدي، وتحولت المملكة إلى فضاء عالمي للفرص الاقتصادية ومنصة مهمة للحوار الاستثماري.
وتزامن هذا مع التحول العميق في الجوانب الاجتماعية والثقافية، وهو تحول ضروري لإتمام التحول الاقتصادي، ومن دونه كنا سنبقى أمام نصف مشروع فقط، فظهرت مساحات جديدة للإبداع الثقافي والفني، واتسع دور الشباب والمرأة، وتنامى حضور المجتمع في الحياة العامة.
من جهة أخرى، أعادت هذه المرحلة تعريف موقع المملكة في النظام الدولي الذي لم يعد يختزل السعودية في موقعها التقليدي في سوق الطاقة. اليوم أصبحت السعودية لاعبًا مؤثرًا في ملفات الاقتصاد والاستثمار والتقنية والطاقة.
مما يميز هذه المرحلة أيضًا النظرة الاستباقية للتغيرات، والتي ظهرت في العناية الواضحة باقتصاد المعرفة والتقنية، والاستثمار في العقول المبدعة.
من موقعنا اليوم لا يمكننا أن نقرأ البيعة كحدث سياسي أو كطريقة لانتقال الحكم فقط، بقدر ما نراها تعبيرًا عن إرادة جماعية للانتقال إلى زمن مختلف وبداية مرحلة بناء المستقبل، وترجمة جميع التحديات التاريخية التي مرت بها بلادنا إلى أدوات إنتاج وحضارة وإمكانات.
ومن حيث نحن اليوم نرى الأمير محمد بن سلمان القائد الاستثنائي الذي اجتاز اختبارات التاريخ. والرمز القومي ليس للسعوديين فقط بل للشعوب العربية التي رعى مصالحها ومد لها يد العون والخير والسلام.