الفكرة أولًا… كيف كسر إعلان هيثم شاكر النمطية في إعلانات رمضان؟
في كل موسم رمضاني، تتسابق الشركات الكبرى على النجوم مثل هيثم شاكر وذلك لحجز مواقع الصدارة في خريطة الإعلانات، مستندة إلى نجوم الصف الأول وميزانيات ضخمة تُنفق على التصوير، والديكورات، والأغاني المصنوعة بعناية مفرطة. وتجلس فرق الإبداع لساعات طويلة تبحث عن الثيمة السنوية: هل تكون «العيلة»؟ أم «الفرحة»؟ أم «اللمة»؟ أم استدعاء «الذكريات» التي اعتاد عليها الجمهور عامًا بعد عام.

إعلان هيثم شاكر
ورغم هذا الزخم الإنتاجي، تأتي المفاجأة من حيث لا يتوقع أحد، في إعلان بسيط لشركة جبنة، بنجم خجول مثل هيثم شاكر، وميزانية تكاد لا تُذكر، وأغنية صُنعت بروح هاوية صادقة لا تحمل توقيع نجوم صناعة الموسيقى، ولا حتى رواجًا مسبقًا على حسابات صُنّاعها. ومع ذلك، وفي غضون ساعات قليلة، يتحول الإعلان إلى مادة «ڤايرال»، يتداولها الجمهور بشغف، ويحقق انتشارًا يفوق حملات إعلانية كلفت الملايين.
هذا التناقض الصارخ يعيد طرح سؤال جوهري: ما الذي يصنع الإعلان الناجح فعلًا؟ الإجابة، ببساطة شديدة، هي الفكرة.
فالصناعة الإعلانية، في جوهرها، لا تقوم على حجم الإنفاق ولا عدد النجوم المشاركين مثل هيثم شاكر، بل على فكرة جديدة تلامس الناس، ومغامرة ذكية تكسر المتوقع، وتخاطب الوجدان دون استعراض أو افتعال. الجمهور لا يبحث عن بهرجة بصرية بقدر ما يبحث عن صدق، وعن لحظة يرى نفسه فيها.

إعادة تدوير الإبداع… طريق مختصر للإفلاس
المشكلة الحقيقية أن الإبداع الرمضاني دخل منذ سنوات في دائرة مغلقة من إعادة التدوير. نفس القوالب، نفس المشاعر المصنّعة، نفس الجُمل الموسيقية، ونفس الرهان على «الاسم الكبير» باعتباره ضمانة النجاح. ومع كل موسم، يتآكل هذا الرهان أكثر، ويصبح الجمهور أقل تأثرًا وأكثر تشككًا، على عكس إعلان هيثم شاكر.
ويمكن القول إن الاستمرار في هذا النهج هو إعلان غير مباشر عن إفلاس إبداعي متجدد، إفلاس لا يظهر فجأة، بل يتراكم عامًا بعد عام، إلى أن يصل إلى مرحلة يصبح فيها الإعلان مجرد ضجيج بصري بلا أثر حقيقي.

الجمهور تغيّر… فهل تغيّرت الصناعة؟
الجمهور اليوم أذكى، أسرع مللًا، وأكثر قدرة على التمييز بين الصادق والمُفتعل. لا ينخدع بسهولة بنجم مثل هيثم شاكر يتقاضى ملايين ليقول جملة محفوظة، بينما قد يتفاعل بقوة مع فكرة بسيطة خرجت من قلب صادق وعقل جريء.
والدرس واضح وصريح: الميزانية قد تشتري الانتشار، لكنها لا تشتري الحب، وحدها الفكرة القوية قادرة على اختراق الزحام، وترك أثر حقيقي في ذاكرة المشاهد.
وربما حان الوقت أن تعيد صناعة الإعلان في رمضان ترتيب أولوياتها، وتضع الفكرة في الصدارة… قبل النجم، وقبل الميزانية، وقبل كل ما اعتادت عليه لسنوات.


