بقلم أحمد صالح حلبي " وتبكي لبيتٍ ليس يؤذي حمامه "
كلما حل موسم الحج ، وبدأت قوافل الحجيج في التوافد على مكة المكرمة ، توجهت الأفئدة قبل الأبصار شوقا لها ، ونطقت الشفاه قبل الألسن بأجمل العبارات ، وارتسمت على محيا الحجاج القادمين من أقاصي الأرض علامات الحمد لله والرضا بما أنعم عليهم ، فأم القرى التي سكنت الأفئدة قبل العقول ، هي مهبط الوحي وخاتمة الرسالات السماوية ، وهي من جعلت الجبار بأرضها ذليلا والمتكبر خائفا ، وهي من سكبت دموع المشتاقين إليها يوم لامست أقدامهم ثرى ترابها الطاهر .
وهي من قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم { إني لأعلم أنكِ أحبُّ البلاد إليَّ، وأنكِ أحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أنَّ المشركين أخرجوني منك ما خرجت!»
وقالت عائشة رضي الله عنها : {لولا الهجرةُ لسكنتُ مكة، فإني لم أرَ السماء بمكان أقربَ إلى الأرضِ منها بمكة، ولم يطمئنَّ قلبي ببلد قطُّ ما اطمأنَّ بمكة، ولم أرَ القمر بمكانٍ أحسنَ منه بمكة!».
إنها مكة التي قيل أن مضاض بن عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي والبعض قال عمرو بن مضاض أنشد عنها قائلا :
وقائلة والدمع سـكـبٌ مبادر
وقد شرقت بالدمع منها المحاجرُ
كأن لم يكن بالحجون إلى الصفا
أنيسٌ ولم يسمر بمكّة امرُ
ولم يتربع واسطاً فـجـنوبه
إلى المنحنى من ذي الأراكة حاضرُ
فقلت لها والقلب منّي كأنّما
يُلجـلجـه بين الجـناحين طائر
بلى نحن كنا أهلها فأزالنا (وتروى فأبادنا)
صروف الليالي والجدود العـواثر
وكنا ولاة البيت من بعد نابتٍ
بعزٍّ فما يحظى لدينا المكاثر
ملكنا فعزّزنا فأعظم بملكنا
فليس لحيٍّ غيرنا ثمَّ فاخر
ألم تنكحوا من خير شخصٍ علمته
فأبناؤه منّا ونحن الأصاهر
فإن تنثن الدنيا علينا بحالها
فإنّ لها حالاً وفيها التشاجر
فأخرجنا منها المليك بقدرةٍ
كذلك ياللناس تجري المقادر
أقول إذا نام الخلي ولم أنم
اذا العرش لا يبعد سهيل وعامر
وبدلت منها أوجهاً لا أحبها
قبائل منها حمير ويحابر
وصرنا أحاديثاً وكنا بغبطةٍ
بذلك عضتنا السنون الغوابر
فسحّت دموع العين تبكي لبلدةٍ
بها حرم أمنٌ وفيها المشاعر
وتبكي لبيتٍ ليس يؤذي حمامه
يظلّ بها أمنا وفيه العصافر
وفيه وحوش لا تُرابُ أنيسةٌ
إذا خرجت منه فليست تغادر
وهي من جعلت الشاعر السيد الدسوقي يصف الطائفين حول البيت الحرام بقوله :
على الجوانح هبت نسمة الحرم
وهام كل فؤاد للضياء ظمي
والناس من كل فج أقبلت زمراً
كموج بحر يفيض النور ملتطم
@ashalabi1380