بقلم مريم النويمي: ضحايا الحرب على الطب
لا يموت الإنسان إلا عند انقضاء أجله، الموت يحدث حينما يتوقف القلب، فتهبط الدورة الدموية والتنفسية، لذلك «هبوط حاد في الدورة الدموية والتنفسية»، العبارة التي تتشاركها أغلب شهادات الوفاة، كسبب وفاة، رغم تعدد الأسباب، من أمراض مزمنة، أو توقف في عمل الأعضاء، أو حادث عابر. لكن هل ممكن أن تقتل الفكرة صاحبها؟ مجرد فكرة بدت بريئة في بدايتها، (في الغذاء دواء وبعضه بلاء)، التي تحولت تدريجياً إلى معتقد قوي، يرى في كل دواء سماً، وفي كل طبيب جزءاً من مؤامرة، وفي كل مرض فرصة لإثبات أن الطبيعة وحدها تكفي.
في السنوات القليلة السابقة، ظهر فكر جديد، صور للناس أن العلاج خدعة وأن الأمراض كذبة، ووعدهم بالشفاء دون أدوية، بواسطة قائمة غذائية، تستبعد أصنافا من الأطعمة وتضم غيرها. ومع كل قصة نجاح حقيقية أو مبالغ فيها، ازداد عدد المؤمنين بأن الطب الحديث صناعة ربحية، ويخفي العلاج الحقيقي، وأن أول درس يتعلمه طلبة كلية الطب، أن شفاء المرضى هو خسارة للأطباء، لذلك عليهم أن يجعلوا المرضى متخبطين، من دواء لآخر، ومن عيادة لأخرى. ليست كذبة، بل كاريكاتير رأيته وشعارا قرأته، نشره أصحاب الاعتقاد. نعم الغذاء الصحي قد يمنع كثيرا من الأمراض، ولكن وحده لا يستطيع علاج المرض إن حدث. ولكن السؤال «لماذا زاد اتباع هذا النظام وتضاعف معتنقوه ؟! حكايات تروى، تبدو مقنعة للغاية، نعرف أن تجنب الورقيات ومنتجات الحليب تريح مرضى القولون، ولكن هل ستمنع الهجمات المناعية أو تجمعات الكوليسترول داخل شرايين القلب، أو قلة شرب الماء، هل يقلل العبء على الكليتين! لا بالطبع، بل يدمر الأنسجة ببطء، كم من مريض سكر أوقف علاجه معتقداً أن الحمية وحدها ستكفي؟ أو مصاب بالسرطان أضاع فرصة العلاج المبكر وهو ينتظر وصفة سحرية من الأعشاب، وكم من مريض ضغط أو قلب أو صرع أقنع نفسه بأن الأدوية هي المشكلة وليست المرض ذاته فهلك؟ هؤلاء لا يظهرون كثيراً على منصات التواصل، الناجون فقط هم من يروون قصصهم، أما الذين فقدوا وظائف أعضائهم، أو أصيبوا بإعاقات دائمة، أو ماتوا، فغالباً لا يملكون حسابات تنشر روايتهم. نرى من تحسنوا، ولا نرى من اختفوا، فتزداد أعداد متبعي النظام، الذي لم يكن كثير من الناس يعرفون عنه شيئا. نقاشات كثيرة، ردود مطولة، ومقالات، وفجأة أصبح الاسم يتردد في كل مكان. بعض الناس دخلوا لمعارضته، وبعضهم دخلوا بدافع الفضول، وآخرون دخلوا بحثاً عن إجابات لمشكلاتهم الصحية، لكن النتيجة كانت واحدة، وهي، انتشار الفكرة.
وهذه إحدى المفارقات. كما ننشر الأفكار التي نؤمن بها، قد نجعل ما يحاربها أكثر انتشاراً، فكل معارضة، وكل إعادة نشر بهدف التحذير، وكل تعليق ساخر، قد يكون إعلاناً مجانياً لفكرة لم يكن ليعرفها آلاف الناس لولا معارضوها. بعض الأفكار كانت ستبقى في زاوية مظلمة من الإنترنت، لكن الضجيج حولها، منحها شرعية لم تكن تملكها. الناس بطبيعتهم ينجذبون إلى ما يُثار حوله جدل، ما إن يسمعوا أن هناك فكرة ممنوعة، أو محاربة، حتى يحاولوا البحث عنها واكتشافها، الضوء الذي نسلطه على الفكرة قد يكون أقوى من الفكرة نفسها، ذيوع الأفكار لا يعني أنها صحيحة، فبعضها ينتشر لأننا منحناها من وقتنا وأحاديثنا أكثر مما تستحق. المشكلة ليست في القائمة الغذائية والنصائح التي تنقصها البراهين، بل في زرع الشك في الطب والأطباء، حتى يصبح الطبيب في المخيلة الشعبية «تاجراً للمرض»، لا شريكاً في مقاومته، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح من السهل نشر قصة بسيطة، عن الأطباء وكيف يكسبون من المرض، بطريقة يسهل تصديقها، لتمنح الناس عدواً واضحاً. عندما يقتنع المريض بأن الطبيب لا يريد له الشفاء، يصبح أكثر استعداداً لتصديق أي بديل، مهما كان ضعيف الدليل. وهنا تبدأ رحلة التأخر في التشخيص، وإيقاف الأدوية، والاعتماد على الوعود السهلة، حتى يصبح المرض أكثر شراسة وأقل قابلية للعلاج. لقد مات كثير من الناس عبر التاريخ بسبب الأمراض، لكن بعضهم مات بسبب فقدان الثقة بمن كانوا يحاولون علاجهم.