هل يجوز إقراض أخي من مال زوجي المغترب دون علمه؟ الإفتاء تجيب
تتكرر في كثير من البيوت مواقف حرجة تستدعي الحسم الفقهي والإنساني، لا سيما عندما تتشابك صلة الرحم مع الأمانة المالية للزوج المسافر. تجد الزوجة نفسها أحياناً بين ضغط العاطفة لإغاثة شقيقها في شدته، وبين واجب الحفاظ على مال زوجها المغترب الذي أودعه لديها لتسيير الأمور أو ادخاره.
الفتوى الشرعية للذمة المالية وأمانة المال
توضح دار الإفتاء المصرية أن المال الذي يتركه الزوج المغترب لدى زوجته يعد أمانة لا تملك حق التصرف فيها خارج نطاق المأذون فيه. فالأصل في الفقه الإسلامي أنه لا يحق للزوجة قطع جزء من هذه الأموال لإقراضه لأي شخص—حتى وإن كان أخاها—إلا بعلم الزوج ورضاه؛ إذ إن ملكية المال تعود له وحده، والذمة المالية للزوجين مستقلة شرعاً.
تتفق آراء أئمة التفسير عند تناول الآيات المتعلقة بالأمانة والإنفاق على هذا الضابط الشرعي فعلى سبيل المثال :
الإمام ابن كثير:
أوضح في تفسيره لصفات الصالحات ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أن "الحفظ للغيب" يتضمن صيانة عرض الزوج وماله أثناء غيابه أو سفره، فلا تخرج منه شيئاً إلا بما يرضيه.
كما جاءت فتاوى كبار علماء وفُقهاء العصر الحديث متطابقة مع هذا التأصيل الشرعي، متشددة في حظر التصرف في مال الزوج للأقارب بغير إذن:
الشيخ عبد العزيز بن باز:
شدد على أنه ليس للمرأة أن تعطي أهلها أو تقرضهم من مال زوجها إلا بإذنه الصريح، واعتبر التصرف في مال الزوج لصالح الأقارب بغير علمه نوعاً من الخيانة للأمانة.
د . علي جمعة (مفتي الديار المصرية السابق):
أوضح أنه إذا حدد الزوج مصدراً أو جهة للمال (كمصروف البيت أو الادخار)، فلا يجوز تحويله أو إعطاء الأهل منه على سبيل القرض أو المساعدة إلا باستئذانه؛ لأن الأصل هو استئذانه لوقاية الذمة المالية ولتفادي النزاعات.
الشيخ محمد بن صالح العثيمين:
بيّن أن مال الزوج أمانة في يد الزوجة، وإقراضه لغيره دون إذنه غير جائز شرعاً؛ لأن القرض تصرف ناقل للملكية مؤقتاً ويتعرض لمخاطر عدم السداد، وهو ما لا تملكه الزوجة في مال غيرها.
الحالات التي يسوغ فيها التصرف :
تتحدد مشروعية الإقراض أو عدمه بناءً على طبيعة المال والإذن الممنوح:
وجود رضا وتسامح سابق:
يصح الإقراض إذا كان الزوج قد منح زوجته تفويضاً عاماً بالتصرف في الحدود التي تراها مناسبة، أو إذا كانت على يقين تام من واقع طبعه أنه لن يعترض على مساعدة أخيها.
الاعتماد على الذمة المالية الشخصية:
للزوجة مطلق الحرية في إقراض أخيها إذا كان المبلغ المدفوع من مالها الخاص، سواء من راتبها، أو ذمتها المستقلة، أو هداياها الشخصية دون الحاجة لموافقة الزوج.
التدابير لحماية الاستقرار الأسري
إن الإقدام على تصرف مالي كهذا بغير علم الزوج المغترب ينطوي على مخاطر تمس بنيان الأسرة؛ فقد يتعثر الأخ في سداد الدين، مما يضع الزوجة في مواجهة مع زوجها ويخدش عنصر الثقة بينهما.
يظل الوضوح والمصارحة مع الزوج المغترب قبل اتخاذ أي خطوة مالية هو الصمام الذي يقي العلاقة الزوجية من الخلافات، ويضمن الموازنة بين واجب أداء الأمانة وحرص الزوجة على صلة رحمها.