الخلوة بين الرجل والمرأة.. هل يغيّر وجود امرأة ثانية الحكم؟
تستمر التساؤلات الفقهية المتعلقة بحدود التعامل بين الجنسين وضوابطه الشرعية في صدارة اهتمامات الشارع المصري والعربي. وتُعد مسألة "وجود رجل مع امرأتين في مكان واحد مغلق" من المسائل الفقهية التي أثارت نقاشاً بين جمهور العلماء، وحسمت دار الإفتاء المصرية أبعادها بوضوح للحد من اللبس والمخاوف الاجتماعية.
بينما أكدت دار الإفتاء المصرية أن الخلوة المحرمة شرعاً هي انفراد رجل بامرأة أجنبية عنه في مكان حجب عن أعين الناس ويُأمن فيه من دخولهما بغير إذن، مما قد يفتح باباً للريبة.
أما في حالة وجود رجل مع أكثر من امرأة (امرأتين أو أكثر)، فتبين دار الإفتاء أن المعتمد في الفتوى – وفقاً لجمهور الحنفية والمعتمد عند الشافعية – هو عدم اعتبار ذلك من الخلوة المحرمة، شريطة أمن الفتنة وأن تكون النساء ثقات يحتشمهن الرجل. واستندت الدار في ذلك إلى أن التعدد يرفع مانع الانفراد، إذ تستحي النساء عادة من بعضهن البعض، مما ينفي مظنة وقوع المفسدة والريبة في الغالب.
آراء أئمة الفقه وشيوخ الفتوى
الإمام النووي والشافعية: استدل الإمام النووي بما جاء في الحديث النبوي الشريف: "لا يدخلن رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان"، مشيراً إلى جواز خلوة الرجل بنسوة لا محرم له فيهن؛ لأن التعدد يمنع التمكن من الفاحشة أو وقوع المفسدة في العادة. كما ورد في حاشية الجمل: "يجوز خلوة رجل بامرأتين ثقتين يحتشمهما، وهو المعتمد".
فقهاء الحنفية: اتفق الحنفية على أن وجود امرأة ثقة قادرة أو تعدد النساء يمنع تحقق الخلوة الممنوعة شرعاً؛ نظراً لانتفاء معنى الانفراد لغة وشرعاً.
المالكية والحنابلة (واراء الاحتياط): يرى بعض الفقهاء من الحنابلة والمالكية أن التعدد لا يرفع الخلوة للرجل إلا بوجود محرم، احترازاً وسداً للذرائع، وهو اتجاه يعتمد على جانب الاحتياط في الشريعة تجنباً للتساهل.
الشروط اللازمة لجواز التواجد
أوضحت دار الإفتاء والمؤسسات الفقهية أن زوال صفة "الخلوة المحرمة" بوجود امرأتين ليس مطلقاً، بل ينبغي تحقّق ضوابط أساسية:
أمن الفتنة والصلاح: ألا يكون المجتمعون من أهل الريبة أو الفسوق، فإن كان المعنى يثير الشبهة حرم التواجد ولو مع التعدد.
الالتزام بالآداب الشرعية: مراعاة الاحتشام في الملبس، وغض البصر، والابتعاد عن الخضوع بالقول أو المزاح الخارج عن المتعارف عليه.
طبيعة المكان: أن يكون المكان يسمح بالدخول أو الاطلاع العام ولا يبعث على الشكوك.
يظهر من فتوى دار الإفتاء وآراء كبار المفسرين والفقهاء أن الشريعة الإسلامية جاءت بالتيسير ورفع الحرج مع الحفاظ على الأعراض وسد ذرائع الفساد، ليبقى معيار الصلاح والالتزام الأخلاقي هو الفاصل في تحديد سلامة الموقف.