"الأمان أولاً ثم الحب".. كيف أعادت شابات اليوم ترتيب أولويات اختيار شريك الحياة؟
تغيرت المعادلة العاطفية لدى الشابات بشكل ملموس في الآونة الأخيرة ، إذ لم يعد الحب الرومانسي بلهفته واندفاعه هو المعيار الأول والوحيد لاختيار شريك الحياة ، حل محل هذا الاندفاع شرط أساسي يسبق كل المشاعر وهو "الشعور بالأمان". باتت الفتاة تبحث عن السكن النفسي، والنعومة في التعامل، والاستقرار المادي والعاطفي، قبل أن تسأل عن حجم الشغف وشرارات الحب الأولى.
السبب وراء بحث الفتيات عن الأمان :
تُفسر الدكتورة مروة رخا ، المتخصصة في العلوم السلوكية والعلاقات الأسرية، هذا التحول الجوهري بأنه نتيجة مباشرة لارتفاع معدلات الوعي النفسي وتجارب الانفصال المتزايدة التي شهدتها الشابات في بيئاتهن المحيطة. الفتاة المعاصرة أدركت أن الشغف وحده لا يصمد أمام ضغوط الحياة وأزمات المسؤولية، وأن الشخص المتزن نفسيًا، القادر على التفاهم والمشاركة والاحتواء، يوفر بيئة استقرار تحمي العلاقة من الانهيار المبكر.
على الصعيد الاجتماعي، يؤكد الدكتور سعيد صادق ، أستاذ علم الاجتماع السياسي، أن خروج المرأة للتعليم والعمل وتأمين استقلالها المادي غيّر مفهومها عن الزواج بشكل كامل. لم تعد الفتاة تنظر للزواج كملجأ اقتصادي أو وسيلة لتحقيق الوجود الاجتماعي، بل أصبحت تريده شراكة متكافئة قائمة على الدعم والمساندة. ولأنها تستطيع تلبية احتياجاتها الأساسية بنفسها، أصبحت تضع معيار "الأمان النفسي والاجتماعي" فوق أي رغبة رومانسية مجردة، لتضمن عدم التعرض للخذلان أو السيطرة الفوقية.
من جانب السلوك النفسي، يرى الدكتور وليد هندي استشاري الصحة النفسية، أن البحث عن الأمان يعكس نضجًا في آليات الدفاع النفسي لدى الشابات عن الحياة مع شريك يوفر الأمان يُقلل من المخاوف المرتبطة بالقلق والارتباك العاطفي، ويُتيح للحب أن ينمو بشكل صحي وتدريجي ، الحب المستند إلى الأمان يكون أكثر استدامة وأقل عرضة للصدمات النفسية مقارنة بالحب القائم على الانجذاب السريع غير المحسوب.
إن تقديم الأمان على الحب لا يعني إلغاء المشاعر أو الجفاف العاطفي، بل يعني وضع البناء على قاعدة صلبة ومستقرة. فالأمان هو التربة الخصبة التي يُمكن للحب الحقيقي أن ينمو فيها ويزدهر، ليشكل علاقة زوجية متوازنة قادرة على مواجهة تقلبات الحياة بثقة وثبات مهما طال الزمن .