هل يستطيع الطفل أن يفرق بين صديقه الحقيقي وصديقه الافتراضي وكيف تتدخل الأم لحمايته؟
لم تعد الصداقة بالنسبة إلى بعض الأطفال والمراهقين مرتبطة فقط بزميل المدرسة أو جار المنزل أو صديق النادي، فالتكنولوجيا خلقت نوعًا جديدًا من العلاقات يمكن أن يبدأ من شاشة الهاتف ويستمر لساعات طويلة من الحديث مع شخصية رقمية أو روبوت محادثة يعتمد على الذكاء الاصطناعي.
المثير في هذه العلاقات أن الطفل قد لا يتعامل معها باعتبارها مجرد برنامج. فالروبوت يستطيع أن يرد بسرعة، ويتذكر سياق الحديث، ويطرح أسئلة، ويقدم التشجيع، ويظل متاحًا في أي وقت تقريبًا. ومع تكرار هذا النمط من التواصل، قد يبدأ الطفل في التعامل معه باعتباره مساحة آمنة للفضفضة أو طلب النصيحة.
عندما تتحول الشاشة إلى «صديق» للطفل
وهنا تظهر المشكلة: الطفل في مراحل نموه الأولى لا يزال يتعلم معنى الصداقة، والثقة، والحدود، والخصوصية، وكيف يميز بين الشخص الذي يهتم به فعلًا والشخص الذي يحاول التأثير عليه ، لذلك فإن وجود علاقة رقمية تبدو شبيهة بالصداقة يحتاج إلى متابعة من الأسرة، خصوصًا عندما يبدأ الطفل في إعطاء هذه العلاقة مساحة أكبر من علاقاته الحقيقية.
وتشير تقارير دولية حديثة إلى تنامي استخدام الأطفال والمراهقين لرفقاء الذكاء الاصطناعي، ليس فقط للتسلية أو الحصول على المعلومات، ولكن أيضًا للحصول على الدعم العاطفي والنصيحة. وهذا تحديدًا ما يجعل المسألة أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بالأطفال.
حذرت الدكتورة هالة حماد ، استشاري الطب النفسي للأطفال والمراهقين، من المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الأطفال عبر الإنترنت، مؤكدة أهمية وعي الأهل بما يفعله الطفل على الشبكة وعدم تركه أمام العالم الرقمي دون رقابة.
وقد تحدثت عن حالات وصلت إليها نتيجة تواصل أطفال مع أشخاص عبر الإنترنت واستغلالهم لثقة الطفل وعدم قدرته على تقدير خطورة الموقف.
كما حذرت حماد من الاستخدام المبكر وغير المنضبط للهواتف والإنترنت، وشددت على ضرورة وجود بدائل حقيقية تشغل وقت الطفل وتمنحه مساحة للتفاعل بعيدًا عن الشاشة.
أما دور الأم، فلا ينبغي أن يبدأ بمجرد سحب الهاتف أو منع الطفل من الحديث مع أي شخصية رقمية ، الأهم أن تفهم أولًا سبب تعلقه بها: هل يشعر بالوحدة؟ هل يجد صعوبة في تكوين صداقات؟ هل يخاف من السخرية عندما يتحدث مع الآخرين؟ أم أنه وجد في العالم الافتراضي مساحة لا يشعر فيها بأنه معرض للحكم أو الانتقاد؟
هذه الأسئلة قد تكشف المشكلة الحقيقية.
ومن المهم كذلك أن تعلم الأم طفلها قاعدة بسيطة: " ليس كل من يستمع إليك صديقًا، وليس كل من يجيبك يفهمك، وليس كل ما يبدو آمنًا على الشاشة آمنًا في الحقيقة ".
الصديق الحقيقي علاقة متبادلة، فيها مشاعر ومسؤولية وحدود وتجارب مشتركة، بينما الذكاء الاصطناعي يستطيع محاكاة الحوار لكنه لا يعيش حياة الطفل ولا يتحمل مسؤولية قراراته.
ولهذا فإن أفضل حماية ليست إغلاق الباب أمام التكنولوجيا، وإنما فتح باب أكبر للحوار داخل الأسرة، حتى لا يبحث الطفل عن «صديق» في الشاشة لأنه لم يجد من يسمعه خارجها