أمومة المغتربات.. كيف تبني الأم المغتربة هوية ثقافية لأبنائها بعيداً عن الوطن؟
تواجه الأم المغتربة تحدياً استثنائياً يتجاوز مجرد التربية اليومية وتأمين الاحتياجات الأساسية لأطفالها؛ إذ تجد نفسها أمام مسؤولية التأسيس لـ "وطن بديل" داخل جدران منزلها.
إنها تخوض معركة هادئة لحماية هويّة أطفالها من الذوبان في مجتمعات الغربة ، مع الحرص في الوقت ذاته على عدم عزلهم عن المجتمع الجديد.
بناء الهوية في أرض الغربة
تبدأ رحلة بناء الهوية من تفاصيل صغيرة ومستمرة ، تشكّل اللغة الأم الخط الأول لحماية الانتماء فاللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي الوعاء الذي يحمل القيم والموروث الثقافي والتراثي يعتمد ذلك على آليات التربية بالمعايشة، كإحياء المناسبات الوطنية والدينية داخل الأسرة، وسرد القصص التاريخية، وممارسة العادات الأكل والتقاليد بأسلوب محبب يجعل الجذور مصدر فخر واعتزاز للطفل.
يرى الدكتور أحمد زايد ، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، أن بناء الهوية الثقافية للطفل المغترب يعتمد بالأساس على "الاستقرار القيمي" داخل الأسرة.
ويُوضح أن الأسرة عندما تستطيع تقديم نموذج متوازن يجمع بين الاعتزاز بالأصول المصرية والعربية والقدرة على الاندماج الإيجابي في المجتمع الجديد، فإنها تحمي أبناءها من الوقوع في فخ "الصدمة الثقافية" أو الاغتراب المزدوج.
ومن جانبها، تؤكد الدكتورة أمل شمس ، أستاذة علم الاجتماع بكلية التربية جامعة عين شمس، أن الأم المغتربة تُمارس أدواراً مركية ومضاعفة؛ فهي المعلمة، والحافظة للتراث، والموجه الاجتماعي.
وتشير إلى أن نقل التقاليد لا يجب أن يأتي في صيغة أوامر أو قيود صارمة، بل عبر مشاركة وجدانية وطقوس يومية تترك أثراً عاطفياً في ذاكرة الطفل.
أما من الناحية النفسية وسلوك الأطفال، فتوضح الدكتورة هبة عيسوي ، أستاذة الطب النفسي للأطفال بقصر العيني، أن الطفل في بيئة الاغتراب يحتاج إلى الشكليات البصرية واللغوية الداعمة ليشعر بالأمان.
وتضيف أن اضطراب الهوية ينشأ عندما يشعر الطفل بالتناقض الحاد بين ما يتعلمه داخل البيت وما يمارسه خارجه ، ولذا تقع على عاتقة الأم مسؤولية تقليل هذه الفجوة بحوار واعي يتقبل التنوع الثقافي دون التفريط في المبادئ الأساسية لشخصية الطفل.
وتؤكد الدكتورة مروة سلطان ، أستاذة طب نفس الأطفال والمراهقين بجامعة عين شمس، أن بناء الهوية السليمة لدى طفل الغربة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بذكاء الوالدين في إدارة مشاعر الانتماء فالتربية القائمة على تعزيز الثقة بالنفس وتفسير الاختلافات الثقافية للأبناء بشكل مبسط تمنع استشعار الطفل بالدونية أو الخجل من جذوره.
إن الأمومة في أرض الغربة تجربة استثنائية تستلزم الجمع بين المرونة والصلابة؛ لتبني للأبناء جسراً من الانتماء يربطهم بأصولهم، ويدعم استقرارهم النفسي والاجتماعي أينما كانوا في هذا العالم.

