من طنطا إلى عالم «الشر».. أحمد الرفاعي يكشف أسرار رحلته مع الكتابة
منذ سنوات، بدأ أحمد الرفاعي خطواته الأولى في عالم الكتابة من خلال مقالات نشرها عبر صفحته الشخصية، لتتحول التجربة تدريجيًا إلى شغف حقيقي ومسار أدبي يسعى إلى تطويره يومًا بعد آخر. وبين الرعب النفسي والجريمة والتاريخ والأساطير، وجد الرفاعي المساحة التي يستطيع من خلالها التعبير عن أفكاره وصناعة عوالم وشخصيات تحمل بصمته الخاصة.
وفي حوار خاص مع جريدة "هير نيوز"، يتحدث أحمد الرفاعي عن حياته بعيدًا عن الكتابة، وكيف تحولت الكتابة من مجرد تجربة إلى جزء أساسي من يومه، كما يكشف تفاصيل علاقته بشخصيات أعماله، وكواليس ميلاد رواية «الملعونين» وسلسلة «الشر»، إلى جانب أحلامه المستقبلية ورسالة يوجهها لكل شخص يتمسك بحلمه رغم الصعوبات.

من طنطا إلى عالم الرواية.. من هو أحمد الرفاعي بعيدًا عن الكتابة؟
بعيدًا عن كوني كاتبًا وروائيًا، أنا مهندس مراقب جودة، من مواليد مدينة طنطا عام 1995. لدي اهتمامات كثيرة أحب أن أمارسها بعيدًا عن الكتابة، من بينها حبي للطبيعة والحيوانات الأليفة والموسيقى والتمثيل.
وأعتقد أن هذه التفاصيل المختلفة في حياتي تنعكس بشكل أو بآخر على شخصيتي وعلى الطريقة التي أنظر بها إلى الأشياء من حولي، وربما تمنحني أيضًا مصادر مختلفة للإلهام عندما أكتب.
كيف بدأت الحكاية مع الكتابة؟
بدأت الكتابة بالنسبة لي بشكل بسيط جدًا، عندما بدأت في نشر المقالات عبر صفحتي الشخصية. لم أكن أعرف في البداية إلى أين يمكن أن تأخذني هذه التجربة، لكن تفاعل المتابعين وتشجيعهم لي على الاستمرار كان له أثر كبير في نفسي.
مع الوقت، بدأ شغفي بالكتابة يكبر، وأصبحت أشعر أنني أمتلك شيئًا أريد أن أقوله، وأن الكتابة ليست مجرد تجربة عابرة، وإنما مساحة حقيقية أستطيع من خلالها التعبير عن أفكاري وخيالي.
لماذا أنشأت صفحة رسمية تجمع أعمالك وكتاباتك؟
كنت أريد أن تكون هناك مساحة يستطيع القارئ من خلالها التعرف إليّ بصورة أكبر، سواء على مستوى شخصيتي أو أسلوبي في الكتابة.
كما أنني أحب فكرة الحوار مع القراء، وليس فقط تقديم العمل لهم. بالنسبة لي، من المهم أن يقرأ القارئ ما أكتبه، ثم يناقشني فيه ويطرح وجهة نظره، لأن هذا التفاعل يساعد الكاتب أيضًا على فهم تأثير أفكاره وتطوير أدواته.

لكل كاتب عمل يظل قريبًا من قلبه.. ماذا تمثل لك أعمالك الثلاثة؟
كل عمل من أعمالي له مكانة مختلفة بالنسبة لي.
«الملعونين» تحديدًا كانت بالنسبة لي حلمًا طال انتظاره. كنت أتمنى أن أصنع شخصية روائية يكون لها حضور وتأثير، مثل الدكتور رفعت إسماعيل والدكتور يحيى راشد، والحمد لله تحقق هذا الحلم من خلال شخصية الدكتور آدم نور.
ولا أنسى دور الدكتورة شيماء، صاحبة دار واحة الأدب، التي ساهمت في خروج العمل إلى النور. وأتذكر أن لحظة الموافقة على الرواية كانت من أكثر اللحظات التي أثرت فيّ، وشعرت وقتها وكأنني وُلدت من جديد.
أما «أساطير مصر القديمة»، فكانت نابعة من حبي للتاريخ واهتمامي بالحضارة المصرية. كنت أريد أن أقدم شيئًا مرتبطًا بتاريخنا، بطريقة تجعل الأجيال الجديدة أكثر اهتمامًا بالقراءة والمعرفة، وتفتح أمامهم بابًا لاكتشاف عظمة الحضارة المصرية.
أما «منظمة SCP»، فكانت مختلفة؛ لأنني بطبيعتي أحب كل ما هو غامض وغريب. لذلك استمتعت بالكتابة عن المنظمة وأسرارها والكيانات الخفية المرتبطة بها، والتعمق في هذا العالم المليء بالغموض.
«الملعونين» هي بداية سلسلة «الشر».. كيف بدأت الفكرة؟
كنت أفكر في صناعة عالم روائي يشبه في فكرته أجواء «ما وراء الطبيعة»، لكن برؤية وأسلوب معاصرين يمكن أن يقتربا من مختلف الأعمار.
ومن هنا بدأت «الملعونين».
تخيلت طبيبًا متخصصًا في الطب النفسي يجد نفسه داخل قرية ملعونة، برفقة صديقه الضابط حسام الدين، بعد أن يتوجه إلى هناك لتنفيذ مهمة إنقاذ. لكن المفاجأة أنه يكتشف أن المهمة التي جاء من أجلها ليست سوى جزء بسيط من شيء أكبر بكثير يحدث داخل القرية.
ومن هذه النقطة بدأت الأحداث تتشكل أمامي، وبدأت ملامح الجزء الأول من سلسلة «الشر» في الظهور.
الرعب النفسي والجريمة والتاريخ.. لماذا هذه العوالم تحديدًا؟
ربما لأنني في الأساس قارئ محب لهذه النوعية من الأعمال. عندما أقرأ الرعب النفسي أو الجريمة أو التاريخ، لا أشعر أنني مجرد متلقٍ للأحداث، وإنما أجد نفسي مندمجًا داخلها وكأنني أعيشها.
ولهذا عندما أكتب، أجد أنني أميل بشكل طبيعي إلى هذه العوالم، لأنها الأقرب إلى شغفي وطريقة تفكيري، وأشعر بأنها جزء من روحي.

ما الذي يجذبك تحديدًا إلى الرعب النفسي؟
أكثر ما يجذبني في الرعب النفسي هو قدرته على الاقتراب من الإنسان نفسه.
أحب أن أتعمق في النفس البشرية، وأن أفكر في الطريقة التي يمكن أن يؤثر بها السلوك البشري في حياة الإنسان ومصيره.
وأعتقد أن المخاوف الداخلية في كثير من الأحيان يمكن أن تكون أكثر تأثيرًا من فكرة الرعب التقليدي. فالإنسان لا يخاف فقط من الجن والشياطين، وإنما يخاف من أشياء كثيرة قد تبدو أكثر واقعية؛ مثل القهر، أو فقدان الإرادة، أو الوحدة، أو الظلام، أو التعرض للعنف والتعنيف.
وهذه المشاعر الإنسانية تفتح أمام الكاتب مساحة كبيرة لصناعة رعب مختلف، يعتمد على ما يوجد داخل الإنسان قبل أي شيء آخر.
التاريخ والأساطير مصدر إلهام.. كيف توظفهما في أعمالك؟
التاريخ بالنسبة لي ليس مجرد مجموعة من الأحداث القديمة، وإنما مصدر ضخم للأفكار والشخصيات.
عندما نبحث في حياة الشخصيات التاريخية، نكتشف أن هناك الكثير من القصص التي يمكن أن تلهم الكاتب. فعلى سبيل المثال، شخصية الكونت دراكولا ارتبطت تاريخيًا بشخصية فلاد الوَلاشي، كما ارتبطت قصة «فرانكشتاين» بأفكار وتجارب حقيقية حول إعادة إحياء الموتى باستخدام الكهرباء.
وهذا يجعلني دائمًا مؤمنًا بأن البحث في التاريخ يمكن أن يفتح أبوابًا واسعة أمام الخيال.
وفي أعمالي، لا أعتمد فقط على التاريخ والأساطير، وإنما أستلهم أيضًا شخصياتي من الواقع؛ من أشخاص التقيت بهم، أو حكايات سمعتها، أو سلوكيات شاهدتها في الحياة اليومية. فالواقع نفسه مليء بالشخصيات والقصص التي يمكن أن تتحول إلى أدب.
قلت من قبل إن «الكتابة هي الحياة».. ماذا تعني لك على المستوى الشخصي؟
الكتابة هي النفس الذي أتنفسه، وهي الشغف الذي أحيا لأجله.
لذلك لا أراها مجرد هواية أو وسيلة للتعبير، وإنما أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتي. عندما أكتب أشعر أنني أعبّر عن جزء حقيقي مني، ولهذا من الصعب بالنسبة لي أن أتخيل حياتي من دون الكتابة.

هل واجهت لحظات شك أو رفض خلال رحلتك؟
بالتأكيد. في بداية الطريق كنت أواجه الرفض بسبب جرأة بعض الأفكار التي أقدمها، وكان من الممكن أن تجعلني هذه التجربة أتراجع، لكنني قررت ألا أستسلم.
كنت أمتلك هدفًا أريد الوصول إليه، ولذلك حاولت أن أتعلم من كل تجربة، وأطور نفسي وأسلوب كتابتي.
والحمد لله، أشعر اليوم أنني أسير بخطوات أكثر ثباتًا، لكنني في الوقت نفسه ما زلت أرى أن أمامي الكثير لأتعلمه وأطوره، وأسعى دائمًا لأن أكون عند حسن ظن قرائي.
وما الحلم الذي تتمنى تحقيقه في السنوات المقبلة؟
أتمنى، بإذن الله، أن أفوز بجائزة أدبية، وأن أرى رواياتي تتحول إلى أعمال مترجمة تصل إلى قراء خارج العالم العربي.
وأتمنى أيضًا أن أواصل تطوير نفسي ككاتب، وأن أقدم أعمالًا تترك أثرًا لدى القارئ، وليس مجرد قصص تُقرأ ثم تُنسى.
وأخيرًا.. ماذا تقول لكل شخص لا يزال يتمسك بحلمه رغم الصعوبات؟
أقول له: اصبر، واستعن بالله، ولا تتوقف عن المحاولة.
قد يتأخر النجاح، وقد يواجه الإنسان الرفض أو يشعر في بعض اللحظات أن الطريق أصبح صعبًا، لكن الاستمرارية مهمة جدًا. على الإنسان أن يتمسك بما يسعى إلى تحقيقه، وأن يحاول أن يقدم أفضل ما لديه في كل خطوة.
ومع الصبر والعمل والاستمرار، سيصل في النهاية إلى ما يتمناه، وسيجني ثمرة ما بذله من جهد.

