بقلم مصطفى بن خالد .. يوم قال اليمني : أنا مواطن، وهذا وطني
لم يكن السادس والعشرون من سبتمبر 1962م يوماً عابراً في تاريخ اليمن، ولا مجرد تحرك عسكري أطاح بحاكم.
كان لحظة انكسار في بنية سياسية واجتماعية امتدت عقوداً، ولحظة انتقال من فكرة الحكم الموروث إلى فكرة الجمهورية.
في تلك الليلة، لم تكن المدافع التي دوّت في صنعاء تستهدف قصر الإمام وحده؛ كانت تستهدف مفهوماً كاملاً للسلطة، يقوم على أن الحكم امتياز يُورث، وأن المواطن يولد وفي وطنه من يملك حق الوصاية عليه.
ولهذا فإن سبتمبر، في معناها الأعمق، لم تكن ثورة على شخص بقدر ما كانت ثورة على فكرة.
فالثورات الكبرى لا تُقاس فقط بمن تُسقط، وإنما بما تفتحه من أفق.
قبل سبتمبر… حين بدأ السؤال
لم تولد الثورة من لحظة واحدة.
سبقتها محاولات وتضحيات، من ثورة الدستور عام 1948م إلى حركة 1955م، ومن نشاط الأحرار إلى سنوات السجون والمنافي والمطاردة.
كانت تلك المحطات تراكماً سياسياً وفكرياً مهّد لليوم الذي أصبح فيه تغيير نظام الحكم ممكناً.
كان السؤال يتشكل ببطء:
هل يبقى اليمن وطناً تحكمه الوراثة، أم يصبح دولةً يملك مواطنوها حق تقرير مصيرها؟
وفي السادس والعشرين من سبتمبر جاءت الإجابة في صورة ثورة.
من إسقاط الإمام إلى تأسيس الجمهورية
أُعلنت الجمهورية، وتولى عبدالله السلال رئاسة النظام الجديد، وكان علي عبدالمغني من أبرز قادة الثورة الذين ارتبط اسمهم بها.
لكن إعلان الجمهورية لم يكن نهاية المعركة.
اندلعت الحرب بين الجمهوريين والملكيين، وتحول اليمن إلى ساحة صراع امتد سنوات، وتداخلت فيه عوامل إقليمية ودولية.
وفي قلب ذلك الصراع جاءت معركة حصار صنعاء، التي أصبحت واحدة من أكثر محطات الحرب حضوراً في الذاكرة الجمهورية، قبل أن تنتهي الحرب عام 1970 بترسخ النظام الجمهوري.
وهنا اكتسبت سبتمبر معناها الثاني:
لم يعد المطلوب إسقاط نظام قديم فقط، بل إثبات أن الجمهورية قادرة على البقاء.
حصار صنعاء… حين أصبحت المدينة فكرة
في حصار السبعين لم تكن صنعاء تدافع عن أسوارها وحدها.
كان الصراع يدور حول مستقبل النظام السياسي الذي أُعلن في سبتمبر.
ولهذا بقيت تلك المواجهة في الذاكرة اليمنية باعتبارها لحظة حاسمة في تثبيت الجمهورية؛ إذ لم يعد السؤال يومها من يحكم القصر، وإنما أي نظام سيبقى في اليمن.
وهنا تحولت الثورة من حدث إلى ذاكرة وطنية.
لكن الذاكرة، مهما كانت عظيمة، لا تكفي لبناء دولة.
أصعب من إسقاط القصر: بناء الدولة
وهذه هي المفارقة التي ينبغي ألا نخاف منها ونحن نتحدث عن سبتمبر.
إسقاط نظام قد يستغرق ليلة.
أما بناء دولة، فقد يحتاج أجيالاً.
الثورة تفتح الباب، لكنها لا تبني وحدها المؤسسات.
ولهذا فإن تقييم تجربة سبتمبر لا ينبغي أن يتوقف عند لحظة الانتصار، ولا أن يحمل الثورة نفسها مسؤولية كل ما جاء بعدها.
هناك فارق بين الفكرة التي قامت عليها الثورة وبين أداء الحكومات والأنظمة التي حكمت اليمن باسم الجمهورية.
لقد أرادت سبتمبر، في جوهر مشروعها، دولة حديثة ومؤسسات وطنية وتعليماً أوسع وعدالة ومواطنة.
لكن الطريق الذي تلاها ظل مثقلاً بالصراعات ومراكز النفوذ وتبدل التحالفات، وبقيت الدولة اليمنية عاجزة في مراحل مختلفة عن تحويل كل وعود الجمهورية إلى واقع مستقر.
وهنا يصبح النقد وفاءً للتاريخ، لا انتقاصاً منه.
لأن الجمهورية ليست اسماً
الجمهورية لا تُقاس بالعلم والنشيد وحدهما.
تُقاس بالقانون حين يكون أقوى من صاحب النفوذ.
وبالمؤسسة حين تكون أقوى من الشخص.
وبالمواطنة حين يكون ابن صعدة وابن عدن، وابن صنعاء وابن حضرموت، متساوين في الحق والكرامة أمام الدولة.
وتُقاس كذلك بقدرة المواطن على أن يختلف دون أن يفقد وطنه، أو إن يفقد وظيفته مثلي، وأن يعارض دون أن يتحول إلى عدو، وأن يطلب حقه دون أن يبحث عن قبيلة أو جماعة تحميه.
ذلك هو المعنى الذي يجعل سبتمبر مشروع دولة، لا مجرد ذكرى ثورة.
من سبتمبر إلى أكتوبر… سؤال التحرر الواحد
وفي قراءة التاريخ اليمني الحديث، لا يمكن فصل التحولات التي أحدثتها سبتمبر في الشمال عن السياق الذي قاد إلى ثورة الرابع عشر من أكتوبر في جنوب الوطن ضد الاستعمار البريطاني.
اختلفت الظروف والمسارات، لكن السؤال الأكبر كان واحداً: كيف يصبح اليمن صاحب قراره؟
وهكذا تتكامل في الذاكرة الوطنية اليمنية معارك التحرر من السيطرة الداخلية والخارجية، ويصبح استقلال الإنسان جزءاً من استقلال الوطن.
ما الذي بقي من سبتمبر؟
بعد أكثر من ستة عقود، ليست قيمة سبتمبر في أن نكرر خطابها كل عام، وإنما في أن نسأل ماذا بقي من أهدافها في حياة اليمنيين.
هل اليمن وطنٌ حرٌّ يملك قراره، أم وطنٌ تتنازعه الوصايات؟
هل الدولة فوق الأشخاص؟
هل القانون فوق القوة؟
هل المواطن متساوٍ في الحقوق والواجبات؟
هل الجيش مؤسسة وطنية لا أداة لصراع سياسي؟
هل التعليم يصنع إنساناً حراً قادراً على التفكير؟
هل يستطيع اليمني أن يرى مستقبله خارج الولاءات التي تفرضها الحرب والانقسام؟
هذه ليست أسئلة خارج الثورة.
هذه هي الأسئلة التي تركتها الثورة للأجيال.
حين تعود فكرة الامتياز
ولهذا فإن أي مشروع يعيد تقديم الحكم باعتباره امتيازاً لسلالة أو جماعة أو طبقة لا يعيد اليمن إلى الماضي بصورة حرفية؛ لكنه يعيد إنتاج السؤال القديم في صورة جديدة:
هل الوطن ملك لجميع أبنائه، أم حق حصري لفئة ترى نفسها أحق به؟
هنا تحديداً تكمن حساسية سبتمبر.
فالجمهورية لا تُحمى بالشعارات وحدها، وإنما برفض مبدأ الامتياز السياسي الموروث، أياً كان اسمه ومصدره.
الدولة التي قامت على المواطنة لا يمكن أن تستقيم إذا أعادت إنتاج طبقات فوق القانون.
سبتمبر… من ذكرى إلى عهد
لهذا لا أرى السادس والعشرين من سبتمبر مجرد مناسبة للاحتفال.
إنها لحظة تأسيس في الوعي اليمني، وامتحان دائم للدولة.
كلما انتصر القانون على النفوذ، اقتربنا من معناها.
وكلما اتسعت المواطنة، اقتربنا أكثر .
وكلما أصبح اليمني قادراً على أن يعيش في وطنه دون وصاية سلالية أو حزبية أو مناطقية، تحقق جزء من الوعد الذي حملته الثورة.
فالوفاء للشهداء ليس في تكرار أسمائهم فقط، بل في حماية الفكرة التي دفعوا حياتهم من أجلها.
ويبقى السؤال
بعد أكثر من ستين عاماً، تبدلت الحكومات، وتغيرت التحالفات، وتبدلت خرائط القوة، لكن السؤال الذي فتحته سبتمبر لم يمت.
من يملك اليمن؟
ولم يكن جواب الثورة أن يملكها شخص أو أسرة أو جماعة.
كان جوابها أبسط وأعمق:
اليمن لليمنيين.
ولهذا لم تكن سبتمبر ثورة على إمام مات وانتهى أمره، بل على فكرة أن يكون الوطن إرثاً يُورث.
لقد سقط القصر.
وبقي الامتحان.
أن تتحول الجمهورية من اسم إلى دولة، ومن شعار إلى قانون، ومن ذكرى إلى حياة.
وعندما يستطيع اليمني أن يقف أمام وطنه لا باعتباره تابعاً لأحد، بل صاحب حق فيه، تكون سبتمبر قد وصلت إلى غايتها الأبعد.
يومها فقط يصبح شعار الثورة حقيقةً لا تحتاج إلى خطابة:
أنا مواطن… وهذا وطنى