الأربعاء 07 أكتوبر 2026
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم مصطفى بن خالد : السادس من أكتوبر… حين استعادت مصر العروبة قدرة الفعل وسيادة القرار

هير نيوز

في الذكرى الثالثة والخمسين: كيف تحوّل عبور القناة إلى كسرٍ لمعادلة الهزيمة؟

لم يعبر المصريون قناة السويس وحدها في السادس من أكتوبر؛ بل عبروا مسافةً أثقل من الماء والتحصينات: المسافة بين وطنٍ جُرحت ثقته بنفسه، ووطنٍ استعاد قدرته على الفعل.
فبعد ستة أعوام من هزيمة يونيو 1967، كانت سيناء تحت الاحتلال، وكانت إسرائيل تراهن على أن نتائج تلك الهزيمة يمكن أن تتحول إلى واقع دائم، وأن التفوق العسكري قادر على فرض معادلة لا تملك مصر سوى التعايش معها.

لكن أكتوبر لم يكن مجرد يومٍ عسكري في الذاكرة المصرية؛ كان لحظةً أعادت فيها مصر تعريف موقعها في الصراع. 
فقد أثبتت أن الهزيمة ليست بالضرورة نهاية التاريخ، وأن الدولة تستطيع، حين تتعلم من إخفاقها، أن تعيد صياغة شروط المواجهة.
ومن هنا تأتي قيمة السادس من أكتوبر: لم يكن إنجازاً عسكرياً منفصلاً، بل ثمرة مسار طويل انتهى بامتلاك القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه.

الحرب بدأت قبل المدافع

لم تبدأ الحرب يوم بدأت المدافع.
بل حين أدركت مصر أن استعادة الأرض لا يمكن أن تتحقق بالرغبة وحدها، وأن آثار هزيمة يونيو حزيران 1967 تحتاج إلى مراجعة عسكرية شاملة، وإعادة تنظيم، وتدريب، وتسليح، وخبرة تُكتسب تحت النار.

في عهد الزعيم العروبي جمال عبد الناصر، جاءت حرب الاستنزاف بوصفها مرحلة أساسية في إعادة بناء الخبرة القتالية واعداد القوات المسلحة المصرية، واختبار قدراتها، واستنزاف الخصم، وكشف جوانب القوة والضعف على جانبي القناة.
ثم استكمل الرئيس أنور السادات المسار، إلى أن جاء قرار الحرب في أكتوبر 1973 بالتنسيق مع القيادة السورية.
وبذلك لم يكن قرار الحرب قفزةً في المجهول؛ كان نتيجة تراكم طويل من العمل العسكري والسياسي والمؤسسي.
وهنا يظهر أول درس في أكتوبر:
القرار التاريخي لا يولد من لحظة الشجاعة وحدها؛ بل من سنواتٍ تسبقها تُبنى فيها الأدوات القادرة على حمله.

في صمت الميادين صُنعت لحظة العبور

بعيداً عن المنابر والأضواء، كانت مصر تستعد.
في ميادين التدريب، والمصانع وورش الصيانة، وغرف العمليات، ومنظومات الدفاع الجوي، والوحدات الهندسية، جرى تحويل دروس الهزيمة إلى خبرة عملية.
لم يكن المطلوب أن يتذكر الجيش لماذا خسر فقط، بل أن يعرف كيف يمنع تكرار ما حدث.
وهنا تكمن قيمة التجربة المصرية: لم تُعامل الهزيمة باعتبارها جرحاً يستدعي الثأر فحسب، بل باعتبارها مصدراً للمعلومات.
فكل خللٍ أصبح درساً، وكل قصورٍ أصبح موضع معالجة، وكل تجربة في حرب الاستنزاف أصبحت جزءاً من الاستعداد للمعركة المقبلة.
وهكذا بدأت مصر تنتقل من رد الفعل إلى المبادرة.

عبقرية الخطة: أن تعرف أين تبدأ

كان التفوق الإسرائيلي يجعل المواجهة المباشرة شديدة الكلفة، خصوصاً مع التفوق الجوي والتحصينات الممتدة على الضفة الشرقية للقناة.
لذلك لم يكن السؤال الحقيقي: كيف تحقق مصر انتصاراً شاملاً في معركة تتفوق فيها إسرائيل نوعياً؟
كان السؤال الأكثر واقعية:
كيف نكسر منظومة الدفاع الأولى، ونقيم وجوداً عسكرياً ثابتاً شرق القناة، ونحميه بما تملكه مصر من امكانيات.
من هنا جاءت خطة "بدر": عبور القناة، اقتحام التحصينات، إقامة رؤوس جسور، ثم تأمينها ضمن منظومة متكاملة من المشاة والمدفعية والمهندسين ومضادات الدروع والدفاع الجوي ووسائل العبور.
وكان الخداع العسكري جزءاً من الخطة، عبر التحركات والمناورات والتدريبات التي ساعدت على إخفاء النية الحقيقية للحرب وتوقيتها.

وهنا تظهر واحدة من أعمق قواعد الاستراتيجية: 
حين لا تستطيع أن تمتلك تفوق خصمك، عليك أن تعيد تصميم المعركة بحيث يصبح تفوقه أقل فاعلية.
لم تحاول مصر أن تخوض الحرب بالطريقة التي تناسب إسرائيل؛ بل اختارت نقطة تستطيع فيها استخدام إمكاناتها بأعلى كفاءة.

6 أكتوبر: حين دخل العلم إلى ساحة المعركة

في الساعة الثانية وخمس دقائق من ظهر السادس من أكتوبر، العاشر من رمضان، بدأت العملية.
ضربات جوية، وقصف مدفعي كثيف، ثم اندفاع المشاة نحو القناة، بينما بدأت الوحدات الهندسية في فتح الممرات وإقامة الجسور ووسائل العبور.
وكان الساتر الترابي أحد أعقد العقبات أمام القوات المصرية.
لكن الحل لم يكن في القوة المجردة؛ بل في الابتكار.
استخدام مضخات المياه لفتح ثغرات في الساتر الترابي، وهو الحل الذي ارتبط بصورة خاصة بالمقدم المهندس باقي زكي يوسف، حوّل عائقاً هندسياً ضخماً إلى مشكلة قابلة للمعالجة في زمن مناسب للعملية.
وهنا يظهر درس يتجاوز تفاصيل المعركة:
حين تدخل المعرفة إلى الحرب، يمكن للفكرة أن تختصر ما لا تستطيع القوة وحدها اختصاره.
وهذا ما جعل أكتوبر أيضاً قصة مهندس وعالم ومخطط وجندي، لا قصة سلاحٍ فقط.

الجندي الذي حمل الخطة إلى الضفة الأخرى

لكن أكثر الخطط عبقرية لا تعبر وحدها.
كان الجندي المصري هو من حملها إلى الضفة الأخرى.
جندي تدرب سنوات، وخاض حرب الاستنزاف، وانتظر اللحظة التي انتقل فيها التدريب من ميدان المناورة إلى ميدان النار.
تحت القصف، وعبر الماء، وأمام التحصينات، نفذ ما تدرب عليه؛ وبذلك تحولت الخطة من تصور على الخرائط إلى واقع على الأرض.

وفي المستوى القيادي، برز المشير أحمد إسماعيل علي، وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، والفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة، والمشير محمد عبد الغني الجمسي، رئيس هيئة العمليات، إلى جانب آلاف الضباط والجنود الذين صنعت جهودهم مجتمعة صورة المعركة.
غير أن التاريخ لا ينبغي أن يختصر الحرب في أسماء القادة.
فوراء كل قرار عسكري كان هناك جندي، ووراء كل جندي أسرة، ووراء كل انتصار شهداء وجرحى دفعوا من أجسادهم وأعمارهم ثمن اللحظة.
ولهذا فإن الحديث عن أكتوبر لا يكتمل إلا باستحضار أولئك الذين جعلوا العبور ممكناً، ثم دفعوا ثمنه.

أكتوبر لم يكن معركة مصرية إسرائيلية فقط

كانت الحرب تجري داخل نظام دولي شديد التعقيد.
الاتحاد السوفيتي قدم دعماً عسكرياً للعرب، بينما بدأت الولايات المتحدة في 14 أكتوبر جسراً جوياً واسعاً لإسرائيل، فتحولت المعركة إلى اختبارٍ غير مباشر لحسابات القوتين العظميين.
وهكذا كان الجندي على الجبهة يقاتل في الوقت نفسه داخل مسرح دولي تتداخل فيه الأسلحة مع السياسة، والميدان مع حسابات القوى الكبرى.
وقد فرضت الحرب على هذه القوى التعامل مع واقع جديد في المنطقة، وأظهرت أن معادلة ما قبل أكتوبر لم تعد قابلة للاستمرار بالشكل نفسه.
لقد تغيّرت حسابات الصراع؛ وهذه في حد ذاتها إحدى نتائج الحرب التي تتجاوز حدود الميدان.

الإنصاف لا ينتقص من النصر

والإنصاف التاريخي يقتضي ألا نحول أكتوبر إلى رواية احتفالية مغلقة.
فبعد نجاح العبور وتثبيت رؤوس الجسور، تطورت العمليات على نحو بالغ التعقيد، وتمكنت القوات الإسرائيلية من العبور غرب القناة في منطقة الدفرسوار، وبرزت مخاطر مرتبطة بوضع الجيش الثالث الميداني.
لكن ذكر هذه التطورات لا ينتقص من قيمة العبور.
بل العكس؛ فالتاريخ العسكري الجاد لا يخشى دراسة اللحظات الصعبة، لأن النصر الذي لا نسمح لأنفسنا بفحص ظروفه وحدوده يتحول من تجربة نتعلم منها إلى أسطورة تمنعنا من التعلم.
وتكشف المرحلة اللاحقة من الحرب عن دروس مهمة في العلاقة بين التقدم والقدرة على تأمين الأجنحة والإمداد، وفي ضرورة التوافق بين التقدير العسكري والقرار السياسي.
فالنجاح في فتح ثغرة في دفاع الخصم شيء، وإدارة نتائج هذا النجاح حتى النهاية شيء آخر.
وهذا بالضبط ما يجعل أكتوبر مادةً استراتيجية لا مجرد ذكرى وطنية.

من العبور العسكري إلى استعادة السيادة

لم تتوقف قصة أكتوبر عند وقف إطلاق النار.
فالمكسب العسكري احتاج إلى مسار سياسي ودبلوماسي وقانوني طويل حتى يتحول إلى استعادة كاملة للأرض.

وصدر قرار مجلس الأمن 338 في 22 أكتوبر 1973، داعياً إلى وقف إطلاق النار والبدء في تنفيذ القرار 242 واستئناف المفاوضات.
وتوالت بعد ذلك اتفاقات فصل القوات عامي 1974 و1975، ثم تطورت العملية السياسية إلى اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.
وفي 25 أبريل 1982 اكتمل الانسحاب الإسرائيلي إلى الحدود الدولية المقررة بموجب معاهدة السلام، مع بقاء النزاع حول طابا… التي حُسمت لاحقاً عبر التحكيم الدولي، حتى رُفع العلم المصري عليها في 19 مارس 1989.

وهنا تظهر إحدى أهم حقائق التجربة:
الجيش يفتح الطريق، لكن استعادة السيادة الكاملة قد تحتاج إلى السياسة والقانون والتفاوض بقدر ما تحتاج إلى القوة.
فأكتوبر كان بداية التحول، لا نهايته.

ماذا يبقى من أكتوبر؟

بعد أكثر من نصف قرن، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: ماذا حدث في السادس من أكتوبر؟
السؤال الأهم هو: 
ماذا تعلمنا منه؟
فالدرس الأكبر ليس في عدد الطائرات التي شاركت، ولا في عدد المعابر والجسور، ولا في تفاصيل الخطة وحدها.
الدرس في منهج التعامل مع الأزمة:
أن تعرف الدولة نقاط ضعفها، وأن تمتلك شجاعة الاعتراف بها، وأن تحول التجربة إلى معرفة، والمعرفة إلى تدريب، والتدريب إلى قدرة، ثم تستخدم تلك القدرة عندما تصبح اللحظة مناسبة.
وهذا الدرس لا يخص الجيوش وحدها.

إن الدولة التي تريد حماية استقلال قرارها تحتاج إلى تعليم قوي، واقتصاد قادر، ومؤسسات كفؤة، ومعرفة متقدمة، وتماسك اجتماعي، وجيش مستعد.
فالقوة الحقيقية ليست في امتلاك الموارد فقط، وإنما في القدرة على تحويل الموارد إلى فعل.

أكتوبر: من ذكرى النصر إلى مسؤولية المستقبل

لهذا لا ينبغي أن يبقى أكتوبر مناسبة للاحتفال بالماضي فقط.
فالاحتفاء الحقيقي بالانتصار هو أن نفهم كيف صُنع.
لقد احتاجت مصر إلى سنوات حتى تحول الهزيمة إلى نصر و خبرة، والخبرة إلى استعداد، والاستعداد إلى خطة، والخطة إلى عبور.
وهذه ليست وصفة عسكرية فحسب؛ إنها قاعدة في بناء الدول.
لا تنتظر الدولة لحظة الخطر لكي تبدأ في بناء قوتها.
فالقوة التي تظهر في ساعة الأزمة تكون قد بدأت صناعتها قبلها بسنوات، في المدرسة والجامعة والمصنع ومؤسسة الدولة وميدان التدريب ومختبر العلم.
ومن هنا يصبح السادس من أكتوبر سؤالاً للمستقبل أكثر منه مجرد ذكرى للماضي:
هل نمتلك اليوم ما يكفي من المعرفة والمؤسسات والقدرة والإرادة لكي نصنع اللحظة حين تأتي؟

خلاصة استراتيجية:

سيظل السادس من أكتوبر خالداً، لا لأنه يوم عبر فيه الجيش المصري قناة السويس فحسب، بل لأنه أثبت أن الهزيمة ليست قدراً أبدياً على دولةٍ تمتلك القدرة على التعلم.
فمصر لم تستعد زمام المبادرة بالشعارات؛ بل أعادت بناء مؤسساتها، وعلاقاتها، ودرست خصمها، وأعادت تنظيم قوتها، واختارت معركتها، ثم عبرت عندما أصبحت قادرة على العبور.

ومن هنا فإن أعظم ما في أكتوبر ليس العبور ذاته، وإنما المنهج الذي سبق العبور.
منهج يقول إن الدولة التي تعرف كيف تتعلم من هزيمتها تستطيع أن تستعيد قدرتها، وإن القدرة حين تقترن بحسن القرار تتحول إلى فعل، وإن الفعل حين تحكمه رؤية سياسية يمكن أن يتحول في النهاية إلى استعادة للسيادة.

ولهذا تبقى رسالة أكتوبر أبعد من حدود قناة السويس:
لا دولة تستعيد مكانتها بالتمني، ولا أمة تحمي سيادتها بالذاكرة وحدها.
القوة تُبنى قبل الحاجة إليها، والقرار يُحسم قبل لحظة الاختبار، والتاريخ لا ينتظر من يطلب منه فرصة.
إنه ينحاز لمن استعد لها.

رحم الله شهداء مصر العربية، وحفظ أبطالها، وكل من أسهم في صناعة ذلك اليوم.
وسيظل السادس من أكتوبر شاهداً على أن أمةً قد تُهزم في معركة، لكنها لا تُهزم في التاريخ ما دامت قادرة على أن تتعلم، وأن تبني، وأن تعرف متى تعبر.

تم نسخ الرابط