بقلم الدكتور ابريك المنقوش الزوي : ساري "فيلادلفيا" فوق السرايا الحمراء
عندما تتطرق الخطابات السياسية الرعناء أو تخرج تصريحات غير منضبطة من شخصيات مثل دونالد ترامب لوصف الشعب الليبي بأوصاف بعيدة كل البعد عن اللياقة، فإن الجهل بالتاريخ هو وحده المسؤول عن هذا السقوط الأخلاقي والسياسي. إن ليبيا الأبيّة، التي يمتد إرثها الحضاري لآلاف السنين متجاوزاً عمر الولايات المتحدة بأسرها، ليست أمة تُستباح بالشتائم، بل هي صخرة تحطمت فوقها أطماع الإمبراطوريات على مر العصور.
1. ساري "فيلادلفيا" فوق السرايا الحمراء: شاهدٌ على عزة التاريخ
لا يحتاج من يريد معرفة بأس ليبيا سوى أن يرفع نظره في قلب العاصمة طرابلس ليرى "السرايا الحمراء"، حيث لا يزال الشعب الليبي حتى اليوم يحتفظ بفخر واعتزاز بـ "ساري" السفينة الحربية الأمريكية "فيلادلفيا" المحترقة، التي أُسرت عنوةً كرمزٍ للسيادة البحرية المطلقة لليبيا. ففي عام 1805، أثبتت الدولة الليبية علو كعبها عندما فرضت هيبتها على القوى البحرية العابرة للبحر الأبيض المتوسط، ومرغت أنف أكبر أسطول أمريكي في ذلك العصر في الوحل، تاركةً هذا الساري تذكاراً خالداً على عظمة هذا الشعب.
ولعل الدليل الأقطع على حجم الصدمة التاريخية التي تلقّتها واشنطن آنذاك يكمن في أن البحرية الأمريكية ما زالت حتى يومنا هذا تذكر في نشيدها الرسمي ضرورة الانتقام من "البحرية الطرابلسية"، في إشارة خالدة إلى العقدة التي تركها أبطال البحرية الليبية في نفوسهم.
2. العصر الحديث: عندما انكسر الأسطول السادس ودفاعات ليبيا الجوية
لم تكن تلك الملحمة سوى فصل من كتاب المجد الليبي؛ ففي العصر الحديث، حين تجددت المواجهات العسكرية مع الغطرسة الأمريكية، كانت الكلمة الفصل لصمود القوات المسلحة الليبية وإرادة شعبها الأبي. لقد شهدت مياه خليج سرت التاريخي اندحاراً وانكساراً مدوياً للأسطول السادس الأمريكي أمام صلابة الدفاعات الليبية. ولم يتوقف الأمر عند حدود البحر، بل أثبت سلاح الطيران والدفاع الجوي الليبي علو كعبه حين نجح في إسقاط طائرة حربية أمريكية وقتل طياريها، في واقعة أوجعت المؤسسة العسكرية الأمريكية، حيث لم يُسمح بنقل جثث الطيارين القتلى إلا بعد سنوات طويلة من المفاوضات الماراثونية الشاقة مع الدولة الليبية، لتفرض الشروط السيادية الليبية بكل اقتدار. وفي ذات السياق، كان السفير الأمريكي في ليبيا يعيش واقعاً سيادياً صارماً؛ إذ لم يكن سوى دبلوماسي عادي يتلقى الأوامر من إدارته، لا يملك من أمر نفسه شيئاً ولا يجرؤ على التدخل الفوقي في القرار السيادي الليبي.
3. الشعب الليبي: أصالة التاريخ وشموخ الحاضر
إن من يصف الشعب الليبي بأوصاف مشينة يعبر عن جهل مطبق بحقيقة هذا الشعب الذي أبهر العالم بأسره، حتى في أبسط تفاصيل. إن ليبيا بتاريخها، وحضاراتها التي سبقت ظهور أمريكا بقرون طويلة، وبسواعد أبنائها الذين لقنوا القوى الكبرى دروساً في السيادة والكرامة، ستظل أرفع شأناً من أن تنال منها كلمات عابرة لسياسيين لا يقرؤون التاريخ.
الملحق الإعلامي السابق للسفاره الليبيه بالقاهرة