بقلم أنس الرشيد: هندسة الاتجاه

يروى عن عمر بن عبدالعزيز أنه قال في سياسة حكمه: «إذا أردت إلى الرعية خيراً فأمزج معه طمعاً من الدنيا»، والمفارقة أن هذه العبارة نفسها وجدت منسوبة إلى أرسطو في كتب الحكم العربية. فأي معنى يمكن أن يلتقي عنده رجل يراه البعض رمزاً لحكم الخلافة الناصع، وفيلسوف يوناني يصفونه بسليل الوثنية؟ أي جسر ذاك الذي جعل عبارتهما تتعانق في حالة ثقافية واحدة؟
أظن أن التفكير الطويل في صحة النسبة إلى القائل وتحقيق النص هو الذي يحجب قراءة أعماق الواقع الثقافي؛ لأن العربي لا يقارن ما يقرأ من مقولات الإغريق بثقافة اليونان الحقة، ولا يسأل: بمَ فكر أرسطو؟ ولا يهمه ذلك، بل يسأل بمَ يفكر العربي وهو يعرب مقولات اليونان أو يكتب أرسطو وجماعته بلغته؟
هنا تتحرك الكتابة كفعل تاريخي ثقافي، وهنا يولد ما سميته «الشطفرة» في مقال «نزوات قانونية»، وهي شطحة أفراد متفرقين يغامرون بفهم جديد ضمن أفق مكانهم الزمني، يتحول مع الوقت إلى طفرة جماعية تؤسس معنى جديداً يغوص في أعماق الثقافة الخاصة، وهذا ما جعل أرسطو اليوناني غير أرسطو العربي؛ ففي الأخلاق انتقل السؤال من الفضيلة بوصفها توسطاً، إلى تهذيب النفس عمراناً وملكاً، وفي السياسة غدت المدينة الفاضلة خطة تدبير لمعايش العرب؛ إذ الفلسفة السياسية اليونانية نزلت معانيها -في أرض العرب- على ديوان وجند وخراج، وراع ورعية، وسند وإسناد، والمنطق الأرسطي أدخلت في قلبه أصول الفقه وصارت أداة للحكم على الاستدلال النصي العربي، وتحولت الشعرية الأرسطية لتكون نموذجاً جديداً آخى بين عربي وإغريقي، لينتج «بيان الجاحظ وحيوانه»، وتحول النموذج إلى عين تقيس صورة المعنى في اللغة العربية. إنها الشطفرة تعمل بصمت: اختيارات فردية عند مترجمين أو شارحين من داخل الوسط العربي وأفقه، ثم طفرة تدرس وتمتحن، ثم استقرارها في الثقافة العميقة. ربما كل هذا يثبت أن الكاتب المفكر مهندس اتجاه: يشطح ثم يصوغ الشطحة بحيث يمكن أن يتداولها الناس، فيرتفع زبد اللحظة ويستقر الماء الذي ينفع الناس.
والسؤال: هل هذه خيانات وانحرافات؟ لا جواب على هذا السؤال لأن الكون كله ولد من انحراف وخيانة، وهو لحظة انكسار التناظر، فعندما كانت القوانين متساوية على الورق اختار الواقع جهة واحدة فشق طريقاً جديداً، وكأن النصوص كالذرات في فيزياء الكم، لا تنتقل تدريجياً بل تقفز قفزة مفاجئة إلى حال آخر؛ لذلك لم يلتق عمر بن عبدالعزيز بأرسطو مصادفة في عبارة منقولة، إنما كان لقاؤهم في الثقافة العربية التي اختارت ميلها الخفي، فانكسرت فيه الموازين وولدت من الشطحة طفرة صارت قانوناً.
التفاتة:
من وصايا الشطفرة: إذا دخلت على نص يوناني بلسان عربي فلا تسأل: أين الأصل؟ بل اجعل سؤالك: أي معنى يطلب الآن؟ اقرأ الشروح والتراجم بوصفها مفاصل تاريخية وليست مرايا على طريقة هبنقة: «بضاعتهم ردت إليهم».