رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم عبير العلي: داعش بعد الهزيمة: لم ينته ولن يعود

هير نيوز

في كل مرة يُعاد فيها فتح ملف تنظيم داعش الإرهابي، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: هل انتهى التنظيم فعلا، أم أنه ينتظر لحظة جديدة للعودة؟ السؤال مشروع، لكنه غالبًا يُطرح بطريقة خاطئة، أو بإجابات متعجلة لا ترى المشهد كاملًا.

اليوم، ومع الحديث عن نقل محتجزي داعش من سوريا إلى العراق- بعد إعلان العراق استعداده لاستقبال آلاف المحتجزين من التنظيم هناك كخطوة استباقية لضمان الأمن الإقليمي- عاد القلق إلى الواجهة، وارتفعت نبرة التخويف من عودة محتملة. غير أن القراءة الهادئة تفرض علينا التمييز بين ما هو خطر حقيقي، وما هو تضخيم إعلامي، وبين تهديد فعلي قادر على تغيير المعادلة وآخر يعيش على هامشها.

داعش الذي تبقّى اليوم ليس ذلك الذي كان في عام 2014، فقد نشأ آنذاك في تلك الدول وسط فراغ أمني، وانهيار مؤسسي، وصراعات طائفية مفتوحة، وحدود غير مؤمنة، وخطاب تعبوي نجح – ولو مؤقتا- في خداع آلاف الشباب. أما اليوم، فالمشهد مختلف جذريا، والدول التي دفعت الثمن الأكبر تعلمت الدرس، وأعادت بناء أدواتها الأمنية والاستخباراتية، ورفعت مستوى التنسيق الإقليمي، وضيقت الخناق على التمويل، والتجنيد، والحركة.

نقل المحتجزين من سوريا إلى العراق، على عكس ما يروّج أحيانا، لا يعني فتح باب للفوضى بقدر ما يعكس محاولة لإغلاق أحد أخطر ملفات التنظيم المتبقية: ملف السجون الهشة والمخيمات المفتوحة. فبقاء آلاف العناصر في مناطق مضطربة، بلا أفق قانوني واضح كان يشكل خطرا أكبر من نقلهم إلى منظومة دولة قادرة على الضبط والمحاسبة، وهي بهذا تفتح الباب أمام نقاش أعمق حول طبيعة هذا التعامل مع هذه القضية دوليا وإقليميا، وكيف يمكن للمجتمع أن يكون خط الدفاع الأول.

لا يمكن القفز بكل الأحوال على استنتاج مريح يقول إن الخطر انتهى، وإن نقل المحتجزين يعد انتصارا أمنيا، كما لا يمكن النظر له برؤية سوداوية تقول إن الخطر أصبح قريبا منا. إن الواقع أكثر تعقيدا: فداعش الإرهابية فقدت أدواتها كتنظيم عسكري، لكنه لم يفقد فكره، والفكر المتطرف يعيش ويتجدد في الفراغات التي نتركها في مجتمعاتنا. ومن هنا أرى بشكل شخصي أن الخطر ليس في قرار الحكومة العراقية أو في نقل المحتجزين لأي مكان في العالم، بل في مدى استعداد المجتمعات والأفراد لمواجهة الفكر المتطرف ومعالجته قبل أن يُصبح تهديدا فعليا.

داعش استغل في نسخته الأولى الفراغات الكبيرة التي تشكلت من الفوضى السياسية، والانقسام الطائفي، والصراعات المجتمعية والعزلة لدى الشباب التي خلقت بيئات خلايا نشطة -لكنها هشة- سقطت بمجرد تقوية المؤسسات الأمنية والسيطرة على الأرض، ومع ازدياد الوعي الاجتماعي بخطورة التطرف بكافة أشكاله الذي يقود للإرهاب. هذا السقوط لا يُلغي مسؤولية المجتمع عن مواجهة الفكر المتطرف داخل بيئته، سواء عبر التعليم، أو الحوار الأسري، أو برامج المناصحة. ومع تزايد عزلة الشباب في الفضاء الإلكتروني، وارتفاع بعض أصوات التطرف بأشكال جديدة، يزداد هذا الاحتياج للأسرة اليقظة، والمجتمع الواعي المسؤول، والمجال العام القادر على رصد الانحراف الفكري قبل أن يتحول إلى سلوك عنيف.

إن المخيمات والسجون التي تضم نساء وأطفالا متأثرين بالخطاب المتطرف تمثل تحديا أخلاقيا وإنسانيا، لا مجرد تحد أمني. وترك هذه الملفات دون معالجة فكرية واجتماعية يعني ببساطة تأجيل المشكلة إلى المستقبل، حيث يظهر جيل جديد من المتطرفين المحتملين في وقت لاحق.

وما يجب التأكيد عليه، أن المملكة العربية السعودية قطعت شوطا كبيرا في مقاومة التطرف. لقد بات الوعي العام يرفض العنف، ويؤمن برؤية راهن عليها الجميع عند إطلاق سمو ولي العهد محمد بن سلمان لها، ووعده ببتر كل مصدر لهذا التطرف وتجفيف منابعه، مع تهيئة واقعية وملموسة لبيئة أقل قابلية للاختراق، نثق فيها بأن المجتمع لن يكون يوما ضحية إن كان هو بأفراده خط الدفاع الأول ضد أي محاولة للتغلغل الفكري، بينما تبقى المؤسسات الحكومية اللاعب الأول في الدور الأمني.

داعش اليوم خطر على الدول الهشة أكثر من الدول القوية، وهو يتغذى على الفوضى ولا يصنعها، يبحث عن شقوق في الجدار، لا عن أبواب مغلقة بإحكام، لهذا فإن التعامل الذكي لا يكون بالتهويل الذي يمنحه حضورا أكبر من حجمه، ولا بالطمأنة المفرطة التي تتجاهل جذور المشكلة. القضاء عليه لا يعني منع عودته فقط، بل منع ولادة نسخ جديدة منه باسم آخر، وبخطاب قادر على الإقناع أو حتى الالتفات إليه. وهذا ما يتطلب أكثر من مجرد الأمن السياسي: التعليم الواعي، والخطاب الديني المتزن، والمسؤولية الدولية.

داعش لم ينته كفكرة نكرة، لكنه انتهى كحلم دولة، وما بين هذين الحدين تقع مسؤولية ألا نعيد ارتكاب الأخطاء ذاتها، وألا نسمح للخوف والارتباك أن يقود المشهد، ولا للثقة الزائدة أن تعمينا عن جذوره العميقة.

نقلا عن الوطن السعودية

تم نسخ الرابط