رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف
هير نيوز هير نيوز
رئيس مجلس الأدارة
خالد جودة
رئيس التحرير
هند أبو ضيف

بقلم مريم النويمي: غادر قبل أن تغادرك صحتك

هير نيوز

سألني ابني كيف أذهب للعمل وهو الموظف حديثاً! قلت له «كأنك ذاهبٌ إلى موعد غرامي»، مقولة قرأتها من قبل وأظنها لبيل جيتس.

العمل الذي تواجه فيه مضايقات غالباً لا تحبه، وإن تحولت لتحديات عليك أن تتجاوزها كل يومٍ بسلام. ستنجح حتماً، ولكن قد تنفر آخر الأمر، تفقد شغفك، فالإنسان طاقة. كلما قرأت عبارة «الاحتراق الوظيفي»، تذكرت مشواري، منذ أن بدأت طبيبة مقيمة في برنامج طب الأطفال بعد تخرجي، مروراً ببرنامج تخصصي الدقيق «طب حديثي الولادة»، حتى مرحلة «طبيب استشاري» في التخصص. مرت أوقات أذهب فيها للعمل مكرهة، نفورا من بيئة مؤذية، وغير عادلة. شعرت بابني، وبكل الذين عليهم أن يتعايشوا مع بيئة عمل سامة، لذلك إذا استطاعوا أن يغيروا المكان فليغيروا. لا تبق في مكانٍ لا ينصفك أو لا يقدرك، حينما كنت حديثة التخرج، كنت أسمع عن طبيبة ممتازة، يتحدثون عنها، تمنيت أن أراها، وحينما انتهت من تخصصها الدقيق، أتت استشارية، عملت معها، كانت الوحيدة الحاصلة على التخصص الدقيق في مجالها ذلك الوقت، لم يعاملها القسم بشكل جيد، اسمعهم يتهامسون، إنها معتلة نفسياً!! ألم تكن طبيبة ممتازة، الوحيدة التي تأتي في المساء تتفقد المناوبين، تحب أن تعاين الحالات بنفسها، كنت أرى الحرب ضدها، وأسأل نفسي لماذا؟ حتى وإن لمسوا فيها شيئاً من الاعتلال النفسي الذي حقيقة لم أشعر به خلال تعاملي معها، جعلوها تصدق أنها معتلة نفسياً، فهربت لمكان آخر لم يقدر طموحها، ومع الوقت اعتزلت العمل. خسر المجال كفاءة كان من الممكن احتواؤها بالنظر إلى «الجزء الممتلئ من الكوب»، كفاءتها، اجتهادها، وإن اختلفوا في طريقة التفكير. لكن هل من الممكن أن تقنع أحداً بأنه معتل نفسياً أو عقلياً؟ للأسف نعم، بالتشكيك المستمر في قراراته، نفي الواقع، إذا قال هذا حصل يتفقوا على أن ينكروا ذلك، ليشك في ذاكرته، لا يمكن أن يكونوا كلهم مخطئين وأنا صح! دائماً تنسى، وتفهم غلط! عدد من الأشخاص يكررون الفكرة نفسها، هذا هو التلاعب النفسي، إلى أن ينهار ويستسلم للفكرة، فيفقد الثقة في نفسه، يصبح كثير التردد، يفشل مهنياً ومن الممكن أن يترك العمل، وهنا يكونوا قد أثبتوا بالفعل اعتلاله النفسي، وعدم كفاءته، هذا ليس خللاً نفسياً أو عقلياً، بل هذا إيذاء نفسي ممنهج.

بيئة العمل السامة من أبرز مسببات الاحتراق الوظيفي، عدم العدالة في توزيع مهام العمل، اللوم الدائم وفقدان التشجيع، كلها تفقد الموظف شغفه، تقل إنتاجيته، وإن انّهار فقد اتزانه. الإدارة لها دور كبير في توفير بيئة عمل مناسبة، بالتعامل الجيد مع الموظفين، والتحفيز المستمر، وإعطائهم حقوقهم. أسهل شيء هو الشدة والتهديد والتسلط، بينما الأقوياء وحدهم من يجيد الاحتفاظ بشعرة معاوية، رغم أن كثيرا من المستشفيات فتحت عيادات لعلاج ومنع تفاقم الاحتراق الوظيفي، تحت مسمى «جودة الحياة الوظيفية»، إلا أن الموظف ربما يفضل أن يعاني بصمت، في انتظار تغير ظروف عمله، إدارته، زملائه، أو حتى إن اضطر للنقل، حفاظاً على ما تبقى منه. الذهاب إلى العمل وأداء المهام يجب أن يتم بحب، بطمأنينة وسلام، المكان الذي لا يضمن لك ذلك عليك أن تغادره قبل أن تغادرك صحتك.

نقلا عن الوطن السعودية

تم نسخ الرابط