التبرع بالأعضاء… بين نداء مجدي يعقوب وحسم الفتوى وتعثر التطبيق وجدل بين المواطنين
في توقيت بالغ الحساسية، عاد ملف التبرع بالأعضاء البشرية إلى صدارة النقاش العام، مدفوعًا بنداء إنساني مؤثر أطلقه جراح القلب العالمي الدكتور مجدي يعقوب، أعقبه تحرك برلماني لتأسيس بنك وطني للأنسجة، ليكشف مجددًا عن أزمة مركبة تتداخل فيها المخاوف الدينية، والثغرات التطبيقية القانونية، وضعف الوعي المجتمعي، رغم وجود قانون منظم وفتاوى شرعية حاسمة.
نداء لإنقاذ الأرواح من الدكتور مجدي يعقوب للتبرع بالأعضاء
قبل أيام، استغل الدكتور مجدي يعقوب ظهوره في حلقة استثنائية مع الإعلامية منى الشاذلي، ليوجه رسالة صريحة إلى المجتمع والدولة، دعا فيها إلى الإسراع بتفعيل منظومة زراعة الأعضاء والتبرع بالأعضاء، محذرًا من أن غيابها يؤدي إلى وفاة آلاف المرضى سنويًا، لا سيما من الأطفال والشباب.
وشدد يعقوب على أن التخوف الشعبي من التبرع بعد الوفاة نابع بالأساس من هواجس الاتجار بالأعضاء، رغم وجود ضمانات قانونية وطبية صارمة، مؤكدًا أن تبرعًا واحدًا قد ينقذ أكثر من حياة، وأن المجتمع هو صاحب القرار وصاحب المخاوف في آنٍ واحد.
مقترح برلماني يعيد الجدل
وبعد أيام قليلة من تصريحات الدكتور مجدي يعقوب، تقدمت النائبة أميرة صابر، عضو مجلس الشيوخ، بمقترح لإنشاء بنك وطني للتبرع بالجلد والأنسجة البشرية والتبرع بالأعضاء بعد الوفاة، بهدف تنظيم العملية وتقليل الاعتماد على الاستيراد مرتفع التكلفة.
ليفجر المقترح جدلًا واسعًا، وأعاد فتح ملف ظل معلقًا لسنوات، رغم صدور قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية منذ نحو 16 عامًا، ولائحته التنفيذية منذ 15 عامًا، دون اكتمال بنية تحتية فعلية لبنوك الأعضاء والأنسجة.

ماذا يقول القانون؟
من الناحية القانونية التشريعية، ينظم القانون المصري عمليات نقل وزراعة الأعضاء والتبرع بالأعضاء والأنسجة بضوابط صارمة، تحظر البيع أو الشراء أو أي منفعة مادية، وتشترط صدور التبرع عن إرادة حرة موثقة، مع قصر الزراعة على حالات الضرورة الطبية القصوى، وبما لا يعرض حياة المتبرع للخطر.
كما يجيز نقل الأعضاء من المتوفى إلى الحي، بشرط وجود وصية موثقة أو إقرار رسمي قبل الوفاة، والالتزام بإجراءات تحافظ على كرامة الإنسان حيًا وميتًا، مع حظر أي ممارسات تمس الأنساب أو تفتح باب الاستغلال.
الرأي الديني
دينيًا، حسمت دار الإفتاء المصرية الجدل مرارًا، مؤكدة أن التبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة جائز شرعًا، متى توافرت الضرورة الطبية، والتزم النقل بالضوابط الشرعية والقانونية، وبعيدًا عن أي صورة من صور التجارة.
وأكدت الدار أن التبرع يُعد من أسمى صور الصدقة الجارية، بشرط التحقق الكامل من الوفاة وألا يؤدي النقل إلى امتهان جسد الإنسان أو تحويله إلى سلعة.

لماذا الرفض في الشارع المصري؟
رغم هذا الحسم ما بين الدين والقانون، لا تزال فجوة واسعة تفصل بين الفتاوى الرسمية ووعي المواطنين، إذ تشير تقارير إلى أن شريحة كبيرة من المواطنين لم تسمع أصلًا بجواز التبرع بالأعضاء، أو لم تقتنع به، معتبرة الجسد «أمانة لا يجوز المساس بها».
وتتجاوز أسباب الرفض البعد الديني إلى مخاوف تتعلق بآليات التنفيذ، أبرزها غياب الثقة في منع التلاعب، والخشية من توجيه الأعضاء لغير مستحقيها، أو تنامي جرائم الاتجار بالأعضاء.

دعم من المشاهير
وعلى مدار سنوات، أعلن عدد من الفنانين والإعلاميين دعمهم لفكرة التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، من بينهم عمرو أديب، إلهام شاهين، محمد الغيطي، فريدة الشوباشي وآخرون، في محاولة لكسر الحاجز النفسي وفتح نقاش مجتمعي أوسع.
وفي أول تعليق رسمي، أكد الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة، أن التبرع بالجلد والأنسجة خطوة إنسانية مهمة، موضحًا أن أخذ الجلد يتم من طبقات رقيقة غير ظاهرة ولا يسبب تشوهًا للمتوفى، وأن التحدي الحقيقي يتمثل في رفع الوعي المجتمعي لا في الجوانب الطبية أو التشريعية.
بين نداء طبي عاجل، وحسم ديني واضح، وإطار قانوني قائم لكنه غير مفعل، يبقى ملف التبرع بالأعضاء في مصر مرهونًا ببناء الثقة المجتمعية، وتحويل التبرع من فكرة مثيرة للجدل إلى ثقافة حياة تنقذ الآلاف وتمنح المرضى فرصة جديدة للبقاء.
