تراث نجوم مصر في مهب الريح.. مقتنيات شويكار تعيد فتح ملف «الذاكرة الضائعة»
عادت قضية الحفاظ على مقتنيات نجوم الفن الراحلين مثل شويكار، إلى الواجهة من جديد، بعدما أثارت منة الله الجواهرجي، الابنة الوحيدة للفنانة الراحلة شويكار، ملف مقتنيات والدتها، مطالبة بالحفاظ عليها وإتاحتها أمام الجمهور والأجيال الجديدة داخل متحف أو معرض يليق بقيمتها الفنية.
ولا تبدو هذه الدعوة منفصلة عن أزمات سابقة طالت مقتنيات عدد من رموز الفن المصري، إذ تكررت خلال السنوات الماضية وقائع تتعلق بفقدان أو بيع أو تشتت مقتنيات فنانين رحلوا، في ظل غياب جهة رسمية موحدة تتولى جمع هذا التراث وحفظه بصورة مؤسسية.

ابنة شويكار تفتح بابًا للحل
أكدت منة الله الجواهرجي أنها لا تزال تحتفظ بمقتنيات والدتها كاملة، معربة عن رغبتها في أن تتحول هذه المقتنيات إلى وسيلة لتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ شويكار ومسيرتها الفنية.
وترى ابنة الفنانة الراحلة أن عرض هذه المقتنيات داخل متحف أو معرض متخصص سيكون فرصة للحفاظ عليها من جهة، وإتاحة فرصة للجمهور للاطلاع على جانب من الحياة الفنية والشخصية لواحدة من أبرز نجمات السينما والمسرح المصري من جهة أخرى.
واللافت أن منة الله أوضحت أن وزارة الثقافة لم تتواصل معها حتى الآن للحصول على المقتنيات أو بحث إمكاني عرضها، مؤكدة في الوقت نفسه استعدادها للتعاون إذا جرى تقديم تصور يحافظ على قيمة تراث والدتها.
ليست مجرد مقتنيات شخصية
وتتجاوز أهمية مقتنيات الفنانين، في نظر المهتمين بهذا الملف، حدود قيمتها المادية أو ملكيتها الخاصة، إذ يمكن أن تمثل الملابس والصور والجوائز والمخطوطات والأثاث والوثائق المرتبطة بالفنانين جزءًا من تاريخ الحركة الفنية المصرية.
ومن هنا، تطرح دعوة ابنة شويكار سؤالًا أكبر: من المسؤول عن حماية ذاكرة نجوم الفن بعد رحيلهم؟
ففي الوقت الذي تنتقل فيه الملكية عادة إلى الورثة، قد تختلف طريقة تعامل كل أسرة مع هذه المقتنيات، بين الاحتفاظ بها، أو بيعها، أو تخزينها، أو عرضها، ما قد يؤدي في بعض الحالات إلى اختفاء أجزاء من التراث الفني بمرور الوقت.

أحمد زكي.. مقتنيات مفقودة
ومن أبرز الوقائع التي أعادت هذا الملف إلى دائرة النقاش ما تردد بشأن مقتنيات الفنان الراحل أحمد زكي، إذ تحدثت شقيقاته عن فقدان مقتنياته، مع الإشارة إلى عدم وجود تحركات لإعادتها بعد بيعها ضمن ممتلكاته عقب وفاة نجله الوحيد هيثم أحمد زكي.
وتكشف هذه الواقعة عن مدى صعوبة الحفاظ على تراث الفنان عندما لا توجد آلية واضحة تضمن جمع مقتنياته وتوثيقها وحمايتها.

نور الشريف.. من خزائن الذكريات إلى الأرصفة
ولم تتوقف الوقائع عند أحمد زكي، إذ تحدثت تقارير إعلامية عن وصول بعض مقتنيات الفنان الراحل نور الشريف إلى أرصفة شوارع القاهرة وبيعها هناك.
وأثارت هذه الأنباء وقتها حالة من الاستياء، خصوصًا أن المقتنيات المرتبطة بفنان بحجم نور الشريف لا تحمل قيمة شخصية لأسرته فقط، وإنما ترتبط أيضًا بتاريخ السينما المصرية.

غياب مقتنيات إسماعيل ياسين
وتظهر المشكلة بصورة أكثر وضوحًا في حالة الفنان إسماعيل ياسين، إذ أشير إلى الغياب شبه الكامل لمقتنياته، ما يطرح تساؤلات حول مصير الأشياء المرتبطة بتاريخ واحد من أشهر نجوم الكوميديا في مصر.
ومع مرور السنوات، تصبح استعادة مثل هذه المقتنيات أكثر صعوبة، خصوصًا إذا انتقلت ملكيتها بين أشخاص أو اختفت دون توثيق.

غرفة سامية جمال تتحول إلى قضية رأي عام
ومن الوقائع اللافتة كذلك ما حدث مع غرفة الفنانة والراقصة الاستعراضية الراحلة سامية جمال، التي عُرضت للبيع في مزاد علني عبر الإنترنت.
وأثارت الواقعة اهتمامًا واسعًا، قبل أن يتدخل الفنان حسام داغر لشراء الغرفة، خشية انتقالها إلى شخص لا يقدر قيمتها التاريخية والفنية.
وأعادت هذه الخطوة طرح سؤال جوهري حول ما إذا كانت المقتنيات المرتبطة بنجوم الفن يجب أن تعامل باعتبارها ممتلكات عادية، أم باعتبارها أجزاء من ذاكرة ثقافية تستحق الحماية.

لماذا لا يوجد «متحف لنجوم الفن»؟
وتكشف الوقائع المتكررة عن حاجة واضحة إلى إطار مؤسسي يتولى توثيق مقتنيات الفنانين الراحلين وحصرها وحفظها، سواء من خلال متحف متخصص أو أرشيف وطني للفن المصري.
ومن شأن وجود مثل هذا الكيان أن يمنع اختفاء مقتنيات مهمة، كما يمكن أن يتيح للأجيال الجديدة التعرف على تاريخ الفنانين من خلال أشياء حقيقية عايشت مراحل من حياتهم ومسيرتهم.
دعوة شويكار تتجاوز حدود أسرتها
وفي هذا السياق، تبدو مبادرة ابنة شويكار أكبر من مجرد محاولة للحفاظ على مقتنيات والدتها.
فإذا نجحت الدعوة في الوصول إلى اتفاق مع وزارة الثقافة لعرض هذه المقتنيات، فقد تشكل خطوة يمكن البناء عليها في التعامل مع تراث بقية الفنانين، خصوصًا أن مصر تمتلك تاريخًا فنيًا ضخمًا يمتد لعقود، ترك خلاله كبار النجوم كنوزًا من الصور والملابس والجوائز والوثائق والتذكارات.

تراث فني ينتظر الإنقاذ
وبين مقتنيات مفقودة وأخرى ظهرت للبيع على الأرصفة أو في المزادات، يبدو أن جزءًا من الذاكرة الفنية المصرية يواجه خطر التشتت مع مرور الوقت.
ومن هنا، تعيد دعوة ابنة شويكار فتح ملف شائك يتجاوز حدود الأسرة والورثة، ليطرح قضية ثقافية أوسع: هل تتحول مقتنيات نجوم الفن الراحلين يومًا إلى تراث وطني محفوظ، أم تظل رهينة مصير كل أسرة وما تقرره بشأنها؟


