"سباق مع اللاشيء”.. كيف يلتهم "FOMO" فوبيا الفقد والتفويت طمأنينة الفتيات؟
في عالم يتسم بالتحديث المستمر على منصات التواصل الاجتماعي، تجد الشابة نفسها أمام شاشة تضخ آلاف المشاهد لشخصيات تنجح، تسافر، تتزوج، وتُحقق إنجازات استثنائية يوميًا.
هنا تنشأ "فوبيا الفقد والتفويت" أو ما يُعرف عالميًا بـ (FOMO - Fear of Missing Out)، وهي حالة من الخوف القهري من أن يفوتها خيار أفضل، أو تجربة أجمل، أو فرصة عمل أكثر نجاحًا، مما يجعلها في حالة طوارئ دائمة لملاحقة كل ما هو جديد.
البعد النفسي الفوبيا ال FOMO
تحلل الدكتورة هبة عيسوي، أستاذة الطب النفسي بكلية الطب جامعة عين شمس، هذه الظاهرة مبينة أن الخوف من التفويت لم يعد مجرد سلوك عابر، بل تحول إلى اضطراب نفسي يرتبط بضعف التقدير الذاتي لدى الفتاة. وتوضح أن الانكشاف المستمر على أسلوب حياة الآخرين واستعراض إنجازاتهم يدفع العقل الباطن للشابة إلى إجراء مقارنات ظالمة وغير منطقية، مما يُشعرها بالتقصير الدائم، ويولد لديها إحساسًا بأن الحياة الفتية الحقيقية تُعاش في مكان آخر دونها.
من المنظور العصبي، يشرح الدكتور ممدوح الجوهري، استشاري أمراض المخ والأعصاب، أن الإشعارات المتلاحقة للهواتف الذكية والتصفح المستمر يتسببان في إثارة الدوائر العصبية الخاصة بنظام المكافأة في الدماغ، عبر إفراز دفعات قصيرة ومتقطعة من هرمون الدوبامين. هذا المخطط العصبي يُعود الدماغ على التحفيز العالي والبحث المستمر عن الأخبار والتحديثات، وعندما تحاول الشابة الابتعاد عن هاتفها أو عدم متابعة التريند، يترجم العقل هذا الانسحاب إلى أعراض انسحابية تشبه القلق العصبي وزيادة ضربات القلب وتشتت الانتباه.
البعد الأجتماعي الفوبيا ال FOMO
وعن الأبعاد الاجتماعية، يرى الدكتور أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع السياسي والعميد الأسبق لكلية الآداب، أن ثقافة الاستهلاك الحديثة والنزعة الفردية عززتا مفهوم "السيولة" في خيارات الجيل الجديد. فلم تعد الشابات يقدرن على الالتزام طويل الأمد؛ سواء في المسارات المهنية أو العلاقات العاطفية، نتيجة التوهم الدائم بوجود خيار أفضل على بعد بنقرة زر واحدة، مما ينعكس سلبيًا على تماسك العلاقات الاستقرار النفسي.
إن فوبيا التفويت ليست مجرد مجاراة للموضة الرقمية، بل هي نزيف هادئ لطاقة الفتاة ونقائها الذهني. والتعافي منها يستلزم تدريب النفس على التصالح مع تفاصيل الحياة اليومية العادية، وتفعيل ثقافة الاستغناء الرقمي الواعي، واليقين بأن ما ينفع الفرد حقًا هو ما يناسب قدراته وظروفه الخاصة، وليس ما يلمع في شاشات الآخرين.

