نظارات الواقع الافتراضي.. هل تعزل الفرد عن مجتمعه الواقعي؟
مع التطور المتسارع في تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز، أصبحت نظارات وأجهزة المحاكاة الرقمية جزءاً من الحياة اليومية المتاحة للجمهور. وعلى الرغم من الفرص الهائلة التي تقدمها هذه التقنيات في مجالات الترفيه، والتعليم، والعمل، إلا أنها تطرح تحديات اجتماعية ونفسية خطيرة يتعلق أبرزها بانزواء الفرد وانفصاله التدريجي عن محيطه الاجتماعي والحقيقي. إن الانتقال من الشاشات المسطحة إلى العوالم الافترضية الكاملة يعيد صياغة شكل التواصل الإنساني ويطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات البشرية.
العالم الأفتراضي بديلا عن العالم الحقيقي :
توفر نظارات الواقع الافتراضي تجارب حسية كاملة تجعل المستخدم ينفصل تماماً عن البيئة المادية المحيطة به، ليدخل في عالم مصمم وفق رغباته الشخصية.
هذا الانسحاب الحسي الكامل يقلل من فرصة التفاعل مع أفراد الأسرة أو الأصدقاء في العالم الحقيقي، ويحل محل التواصل الفيزيائي علاقات افتراضية مجسدة بأشكال رمزية ، ومع مرور الوقت، قد يجد الفرد صعوبة في العودة والتكيف مع متطلبات الواقع المادي الذي يتسم بالتعقيد وعدم القدرة على التحكم الكامل في مجرياته.
وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور إبراهيم مجدي ، استشاري الطب النفسي والأمراض العصبية، أن استخدام تقنيات الواقع الافتراضي لفترات طويلة يسبب ما يعرف بـ "العزلة المعززة"، حيث ينفصل الدماغ عن التحفيز البيئي الواقعي ويصبح معتمداً على المؤثرات البصرية والسمعية الافتراضية.
ويشير إلى أن هذا الانفصال يقلل من القدرة على ممارسة مهارات التواصل الاجتماعي الفعالة مثل قراءة لغة الجسد واستشعار تعابير الوجه، مما يؤدي بالتدريج إلى نمو الرهاب الاجتماعي وزيادة معدلات القلق والاكتئاب عند العودة للتفاعل مع الناس في الواقع الحقيقي.
من جانبها، توضح الدكتورة آية طلعت ، استشارية الصحة النفسية والإرشاد الأسري والباحثة في الأنثروبولوجيا الثقافية، أن التوسع في استخدام نظارات الواقع الافتراضي يهدد النسيج الأسري والاجتماعي.
وتضيف أن وجود الفرد جسدياً داخل المنزل مع غيابه الذهني والنفسي الكامل داخل خوذة افتراضية يُضعف روابط التكافل والمشاركة اليومية بين الزوجين وبين الآباء والأبناء حيث تصنع هذه التقنيات جدراناً فردية داخل الأسرة الواحدة فيعيش كل فرد في عالمه البرمجي الخاص ، مما يزيد من معدلات الجفاء والانفصال العاطفي.
ماهية نظارات الواقع الافتراضي
إن نظارات الواقع الافتراضي أدوات تكنولوجية واعدة، لكن استخدامها دون وعي بحدودها النفسية والاجتماعية يتسبب في تآكل التواصل البشري الصادق.
يتطلب المستقبل وضع أطر ترشيدية تجعل هذه التقنيات وسيلة لتعزيز المعرفة والترفيه المعتدل، لا بديلاً عن الحياة الواقعية والعلاقات الإنسانية المباشرة و لذلك يقع على عاتق الأسر والأفراد وضع حدود واضحة تضمن الاستمتاع بالتكنولوجيا دون التضحية بالدفء الاجتماعي والترابط الأسري الحقيقي.

