بقلم إيمان السعيد : الكلمات الإيجابية.. وثيقة تأمين نفسي لمستقبل الطفل
الكلمات الإيجابية ليست مجرد تشجيع لطيف يُقدَّم للطفل، إنما هي اللَّبِنَةُ الأولى التي يُبنى عليها تقديره لذاته، وثقته بنفسه، وقدرته على مواجهة العالم.
يتأثر الطفل بنوعية الألفاظ والأفكار التي نتداولها في البيت. فكثيرٌ من الكلمات الجارحة التي وُصِفنا بها في الصغر، لا تزال محفورةً وعالقةً في أذهاننا، وشكَّلت جزءًا كبيرًا من وعينا، ومخزونًا لألفاظنا، وتوجيهًا لقراراتنا، وشعورنا تجاه الأشياء دون أن ندري.
ومن هنا نسأل: كيف تؤثر الكلمات الإيجابية على تكوين شخصية الطفل؟
وفي محاولة للإجابة، نؤكد أن الكلمات الإيجابية ليست مجاملةً عابرةً، بل هي مدخلٌ تربويٌّ يؤثر في رؤية الطفل لذاته وللعالم.
وقد أثبتت الدراسات النفسية أن الطفل لا يسمع الكلمة فقط، بل يصدقها ويتحول إليها. فعندما نقول له: "أنت فاشل" أو "عنيد"، فهو لا يعتبرها وصفًا لحظيًا، بل يعتبرها هويته. وعندما نقول له: "أنت قوي، أحسنت، أنا أؤمن بك"، فإنه يصدقها أيضًا.
فهذه الكلمات تصنع الصوت الداخلي للطفل. فعندما يمر بلحظات عدم الإنجاز، تجد هذا الصوت يقول له: "سأحاول مرةً أخرى". وعلى النقيض، عندما يسمع: "أنت فاشل، غبي، عنيد"، فيتحدث الصوت الداخلي قائلًا: "أنا لا أصلح لشيء".
نحن هنا لا نربي أطفالنا بقدر ما نزرع أصواتًا داخليةً تلازمهم طوال العمر.
حيث أثبتت إحدى الدراسات العلمية بجامعة واشنطن، أن الطفل الذي يتلقى خمس عبارات إيجابية مقابل توجيه سلبي واحد، يكون ذكاؤه العاطفي وتركيزه الدراسي أعلى بنسبة 40% من غيره.
وعلينا كآباء وأمهات أن ندرك أن البيت ليس حوائط وسقفًا وأكلًا وشربًا، وإنما البيت الحقيقي هو المكان الذي يحكي فيه الطفل دون خوف، سامعًا فيه الكلمات الإيجابية.
[4:53 م، 2026/10/21] ايمان السعيد مذيعة: وللأسف، هناك أطفال يمتلكون كل الاحتياجات المادية، ومحرومون من كلمةٍ حانية، وحضنٍ دافئ، ولحظاتٍ من الاهتمام الحقيقي. فالطفل يريد من يسمعه دون مقاطعةٍ أو سخريةٍ أو انتقاد، لأنه ببساطة لا يتذكر الموقف، لكنه يتذكر الكلمات التي قيلت له.
فالانتقاد المستمر والتركيز على الأخطاء، يؤثران على ثقة الطفل بذاته وشعوره بالأمان.
ويبدأ تأثير كلمات وأفعال الوالدين من الطفولة المبكرة، حيث يمتص الطفل نبرة الصوت ولغة الجسد.
وللتربية بالكلمات الإيجابية تأثير كبير في تكوين شخصية الطفل، حيث تسهم في:
أولًا: بناء الصوت الداخلي: فالكلمات الإيجابية تخلق شعورًا بالأمان وتجعله يشعر بمحبة الآخرين له.
ثانيًا: تعزيز الثقة بالنفس: عندما يسمع الطفل عبارات الثناء والدعم، يدرك أنه محبوبٌ بلا شروط.
ثالثًا: تعزيز السلوك الجيد: فمدح السلوك الجيد يجعل الطفل يكرره بحماس.
رابعًا: الاستقلالية: فالعبارات التي تعبر عن الثقة بقدرات الطفل، تمنحه الجرأة والشجاعة لخوض تجارب جديدة دون الخوف من الفشل.
ويؤكد علماء النفس أن الكلمات الجارحة والمؤذية تزيد من التوتر والقلق لدى الطفل، مما ينعكس على سلوكه فيما بعد، إما بالانطواء أو بالعنف.
لهذا، فإن الكلمات الداعمة لها أكبر الأثر في تطوير شخصيةٍ متوازنةٍ للطفل.
ومن هنا نقول: إن الكلمات الإيجابية ليست رفاهيةً تربويةً، إنما هي وثيقة تأمينٍ نفسيٍّ نكتبها لأطفالنا للمستقبل.
لكل أبٍ ولكل أمٍّ: اختاروا كلماتكم بعناية، فأنتم لا تتحدثون إلى أذنٍ صغيرة، بل تكتبون في قلبٍ كبيرٍ سيحمل كلماتكم عمرًا كاملًا..
إيمان السعيد كبير مذيعين بالاذاعه المصريه.