هاني دنيا: مصر تتحول من معبر للبيانات إلى ميناء رقمي دولي بدعم استثمارات مراكز البيانات
أكد هاني دنيا، خبير الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والحاصل على درجة الماجستير في قيادة وعمليات الأمن السيبراني من جامعة سان دييجو بالولايات المتحدة الأمريكية، أن الإعلان عن استثمار بقيمة 400 مليون دولار لإنشاء مركز بيانات جديد في مصر يمثل بداية إيجابية للتوسع في البنية التحتية الرقمية، ودعم خدمات الحوسبة السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وأوضح دنيا أن قيمة الاستثمار المعلنة، والبالغة 400 مليون دولار، تعكس توجهًا جادًا نحو تطوير صناعة مراكز البيانات في مصر. وأضاف أنه وفقًا لمتوسطات تكلفة إنشاء مراكز البيانات عالميًا، يمكن أن يشير هذا الحجم من الاستثمار بصورة تقديرية إلى قدرة تشغيلية تتراوح بين 30 و50 ميجاوات.
وأشار إلى أن القدرة الفعلية للمشروع قد تختلف وفقًا لعدد من العوامل، من بينها تكلفة الأرض، وتجهيزات الكهرباء، وأنظمة التبريد، وكثافة الخوادم، ونوعية المعدات والبنية التحتية المستخدمة
وشدد على أن نطاق 30 إلى 50 ميجاوات يمثل تقديرًا استرشاديًا بناءً على المتوسطات العالمية، وليس رقمًا فنيًا معلنًا رسميًا عن المشروع.
وقال دنيا، خلال حواره مع برنامج «أوراق اقتصادية» على قناة النيل للأخبار، إن أهمية المشروع لا تقتصر على إنشاء مركز جديد للبيانات، بل تمتد إلى دعم تحول مصر من مجرد ممر دولي لعبور البيانات إلى مركز يستضيف البيانات ويعالجها ويقدم الخدمات الرقمية من داخله.
وأضاف أن مصر تمتلك موقعًا جغرافيًا متميزًا، إلى جانب شبكة واسعة من الكابلات البحرية الدولية التي تربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، وهو ما يمنحها فرصة للتحول إلى «ميناء رقمي دولي».
وأوضح أن الفكرة تشبه تحول الموانئ التقليدية من مجرد نقاط لعبور السفن إلى مراكز للتخزين والخدمات اللوجستية والتجارة. وبالمثل، فإن القيمة الاقتصادية الأكبر لا تتحقق فقط من مرور البيانات عبر مصر، وإنما من استضافتها ومعالجتها وتشغيل الخدمات السحابية والتطبيقات الرقمية من داخل البلاد، لخدمة السوق المصرية والأسواق الإقليمية.
وأشار دنيا إلى أن الطاقة تمثل أحد أبرز التحديات أمام إنشاء وتشغيل مراكز البيانات، نظرًا إلى احتياجها المستمر إلى الكهرباء لتشغيل الخوادم وأنظمة التبريد والبنية التحتية المساندة.
وأوضح أن منظومة الذكاء الاصطناعي تعتمد على أربعة أعمدة رئيسية، هي الطاقة، والبنية التحتية المتمثلة في مراكز البيانات، ونماذج الذكاء الاصطناعي، ثم التطبيقات التي تعتمد على هذه النماذج.
وأكد أن الطاقة الشمسية تمثل أحد الخيارات المهمة التي يمكن لمصر الاعتماد عليها لدعم مشروعات مراكز البيانات، خاصة في ظل الإمكانات الكبيرة التي تتمتع بها البلاد في مجال الطاقة المتجددة
كما أشار إلى الدور المتوقع للطاقة النووية، مع تنفيذ مشروع محطة الضبعة النووية، في دعم توافر مصادر مستقرة ومنخفضة الانبعاثات من الكهرباء، وهو عامل مهم بالنسبة للشركات العالمية العاملة في مجالات مراكز البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
وأوضح دنيا أن محطة الضبعة النووية تضم أربع وحدات، بقدرة تبلغ 1200 ميجاوات لكل وحدة، وبإجمالي قدرة يصل إلى 4800 ميجاوات، وهو ما يمكن أن يضيف إلى مزيج الطاقة في مصر مصدرًا مستقرًا ومنخفض الانبعاثات خلال السنوات المقبلة.

وأشار إلى أن الاستفادة من هذه القدرات في جذب استثمارات مراكز البيانات ستعتمد على توقيت دخول الوحدات إلى الخدمة، وخطط الربط بالشبكة القومية، وتوافر البنية التحتية اللازمة لنقل الكهرباء إلى مواقع المشروعات.
ولفت دنيا إلى أن الشركات العالمية تسعى بصورة متزايدة إلى خفض انبعاثاتها الكربونية وتحقيق أهداف الحياد الكربوني، وهو ما يجعل توافر الطاقة المتجددة والطاقة النووية منخفضة الانبعاثات عنصرًا داعمًا لتنافسية مصر في جذب هذه الاستثمارات.
وأضاف أن توافر الطاقة وحده لا يكفي، إذ تحتاج مراكز البيانات إلى أكثر من مصدر للكهرباء لضمان استمرارية التشغيل، وتجنب انقطاع الخدمات، والالتزام بمستويات الإتاحة المتفق عليها مع العملاء.
وأوضح أن مراكز البيانات التي تخدم عملاء وشركات في أسواق متعددة لا يمكنها الاعتماد على مصدر واحد للطاقة، بل تحتاج إلى مصادر أساسية واحتياطية، إلى جانب أنظمة للطاقة غير المنقطعة ومولدات وتجهيزات تضمن استمرار الخدمة في حالات الطوارئ أو الصيانة.
وتناول هاني دنيا خلال الحوار الفارق بين السحابة العامة والسحابة الخاصة أو السيادية، موضحًا أن الاختلاف الأساسي يرتبط بطبيعة البيانات ومستوى حساسيتها ومتطلبات الوصول إليها
وأشار إلى أن البيانات في أي دولة يتم تصنيفها إلى بيانات عامة، وبيانات خاصة، وبيانات حساسة، وبيانات شديدة الحساسية، وبناء على هذا التصنيف يتم اختيار البيئة المناسبة لتخزينها ومعالجتها.
وأوضح أن السحابة العامة، أو Public Cloud، يمكنها تلبية نسبة كبيرة من احتياجات الشركات والمؤسسات، من خلال توفير خدمات الحوسبة والتخزين والتطبيقات وفقًا لمعايير أمنية وتشغيلية متقدمة أما السحابة الخاصة أو السيادية، أو Sovereign Cloud، فتستخدم في الحالات التي تتطلب مستويات أعلى من العزل والتحكم في الوصول، أو في القطاعات التي تتعامل مع بيانات سيادية أو شديدة الحساسية، مثل قطاعات الدفاع والداخلية وبعض المؤسسات الحكومي
وشدد دنيا على أن الأمن السيبراني يمثل عنصرًا أساسيًا في جميع نماذج الحوسبة السحابية، سواء كانت عامة أو خاصة أو سيادية، ولا يقتصر دوره على نوع واحد من مراكز البيانات.
وأوضح أن ثقة المؤسسات والعملاء في مراكز البيانات تعتمد بصورة مباشرة على قدرتها على حماية المعلومات، وإدارة هويات المستخدمين وصلاحيات الوصول، وتشفير البيانات، ومواجهة الهجمات الإلكترونية، وضمان استمرارية الخدمات.
وأكد دنيا أن الإعلان عن استثمار بقيمة 400 مليون دولار يمثل خطوة إيجابية، إلا أن تقييم الأثر الحقيقي للمشروع خلال الفترة المقبلة يجب أن يستند إلى عدد من المؤشرات، من بينها القدرة التشغيلية التي تدخل الخدمة فعليًا، وعدد العملاء والخدمات المستضافة، ومستويات الإتاحة والأمن السيبراني، وحجم الوظائف المتخصصة التي يتم توفيرها.
واختتم بالتأكيد على أن مصر تمتلك فرصة حقيقية للاستفادة من موقعها الجغرافي، وشبكة الكابلات البحرية، وتنوع مصادر الطاقة، والسوق المحلية، والكفاءات البشرية، للتحول من مجرد ممر لعبور البيانات إلى مركز إقليمي لاستضافتها ومعالجتها وتقديم الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعى .